قصص ومعاناة مياومي الإسمنت بين مطرقة الوعود وسندان الروتين

تعاني مختلف المؤسّسات والشركات التابعة لوزارة الصناعة وبشكل ملفت ومتكرر من مشكلات نقص اليد العاملة المهنية والخبيرة، مع التسرّب المستمر نحو القطاع الخاص، وعلى الرغم من ذلك كله نفاجأ بعدم اتخاذ إجراءات على نطاق واسع تضمن حلّ تلك المشكلة المتفاقمة، وعلى سبيل المثال هناك نحو 60 عاملاً مياوماً في الشركة السورية لصنع الإسمنت ومواد البناء بحماة تمّ التعاقد مع بعضهم منذ العام 2007 وأحدثهم منذ العام 2017، يحصلون على راتب 31 ألف ليرة فقط أي دون الحدّ الأدنى للأجور، ولم تتمّ تسوية أوضاعهم رغم وعود اتحاد العمال، ووزراء الصناعة، والمدراء المتلاحقين، وتسوية أوضاع زملائهم في شركة اسمنت طرطوس.

مسؤولية الإدارة

إن تسوية وضع المياومين بشكل عام قيد المتابعة، ويجري العمل على حلّ مشكلتهم بشكل كامل وعلى مستوى كل جهات القطاع العام، وليس بشكل جزئي بالنسبة لكل منشأة أو شركة، ولم تنقطع مطالبات الاتحاد العام لنقابات العمال لتحويل صفتهم إلى عقود سنوية، ليطرح الأمر بجدية في اجتماع المجلس العام.

وأوضح رئيس الاتحاد المهني لنقابات عمال البناء والأخشاب خلف أحمد حنوش أن مياومي شركة إسمنت طرطوس البالغ عددهم 844 الذين تمت تسوية أوضاعهم وتحويل صفتهم لعقود سنوية حالتهم مختلفة عن مياومي شركة إسمنت حماة، لأن جميعهم من المسرّحين من الخدمة الاحتياطية واستفادوا من برنامج دعم وتشغيل المسرّحين.

وحمّل حنوش مسؤولية عدم تعديل وضع المياومين في شركة حماة لإدارة الشركة التي عقّدت الأمور بدلاً من حلها، فعندما طلب اتحاد العمال قوائم بأسماء العمال المياومين لديهم بغية تسوية أوضاعهم قاموا بوضع أسماء لعمال يعملون مع المقاولين ولا يعتبرون عمالاً مياومين، وأسماء عمال كانوا خارج القطر في تركيا وغيرها من الدول، ويبلغ عددهم نصف العدد المرفوع في القوائم تقريباً الذي بلغ في حينه 220 إلى 240 عاملاً، ولم يكن العدد ثابتاً بسبب القوائم المتغيّرة التي كانت ترفعها الشركة بين الحين والآخر، ورغم ذلك كله قام الاتحاد بالحصول على موافقة اللجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء، وموافقة رئيس مجلس الوزراء لتسوية أوضاعهم خارج الإجراءات والأصول المعمول بها للتعيين عبر عقود سنوية، وذلك منذ العام 2016، وبناءً عليه خاطبت وزارة الصناعة شركة إسمنت حماة لإجراء اختبار لتعيينهم بعقود سنوية.

وبيّن حنوش أن الشركة رفضت إتمام إجراءات الاختبار لأن عدد الشواغر كان نحو 120 شاغراً، ووفقاً لقوانين استيعاب المسرّحين من خدمة العلم يجب أن يتمّ تعيين 50% من الشواغر المطلوبة من المسرّحين، وكان بإمكان الإدارة في حينه استبعاد الأسماء غير الدقيقة وأسماء المياومين المتسربين، بحيث يبقى نحو 120 مياوماً فقط، وفي الوقت نفسه كانت الفرصة مواتية لتعيين 60 مياوماً منهم حسب الأقدمية، إلا أن الشركة لم تعمل على إتمام ذلك ولم تتعاون مع الاتحاد لمتابعة الموضوع بعد ذلك نهائياً!.

مسابقة شاملة

شركة إسمنت حماة قامت بالتعاون مع المؤسسة العامة للإسمنت ووزارة الصناعة بإجراء العديد من المراسلات، وعقدت العديد من الاجتماعات للمطالبة بتسوية وضع نحو 241 عاملاً من العرضيين والمياومين والفاتورة، وفقاً لما أكده لـ”البعث” المدير العام للشركة علي جعبو، كما أرسل لنا المدير الإداري في الشركة أحمد الحسن مجموعة من تلك المراسلات توضح رفع مقترح للجنة الاقتصادية بمجلس الوزراء مشفوعة بالمبررات الفنية والإنتاجية لجهة أن الشركة منتجة ورابحة، ولم تتوقف عن الإنتاج رغم ظروف الحرب، كما أن الملاك العددي للشركة هو 1424عاملاً، أما الموجود منهم فلم يتجاوز 1156 بتاريخ آخر مخاطبة في العام 2019، والمياومون المشار إليهم آنفاً أمضوا أكثر من سنتين في العمل واكتسبوا الخبرة الجيدة، ومن الممكن تسربهم إلى الشركات الأخرى وتعيينهم يزيد من استقرار العملية الإنتاجية، كما أن الاعتماد المالي اللازم لزيادة أجورهم وتعويضاتهم متوفر. ورأت اللجنة الاقتصادية أن هناك إجراءات لا يمكن تخطيها للتعاقد مع العمال فلا بد من إجراء اختبار، إلا أن الاختبار يمكن أن ينجح به متقدمون آخرون من غير مياومي الشركة، وعدد شواغر الفئة الرابعة هو فقط 55 بينما عدد العمال المرفوعة أسماؤهم 241، كما قرّرت اللجنة عرض الموضوع على رئيس مجلس الوزراء والذي قرّر تعيينهم وفق إجراءات التعاقد أصولاً.

وبسؤالنا مدير عام الشركة حول إمكانية تسوية وضعهم، وعدم ضياع حقوقهم وقدمهم في العمل، كان جوابه أنه سبق وأن تمّ الإعلان من قبلهم عن اختبار لتعيين 150 عاملاً بموجب عقود سنوية، إلا أنه تمّ إيقاف إجراءات الاختبار كونها تضيع حق عدد كبير من المياومين في التعيين بسبب قلّة عدد الشواغر، وإعطاء نسبة 50% من الشواغر للمسرحين، وأن قوائم المياومين كانت فعلاً غير دقيقة العدد لأنها رفعت وأعدّت على مدار عدة سنوات، وشهدت الشركة في حينه تسرب عدد كبير من المياومين، ليبدي جعبو استعداده لتبني أية صيغة قانونية تحفظ حقوقهم وتساهم في رفع أجورهم وحصولهم على كامل استحقاقاتهم، وتتيح للشركة الاستفادة من خبرتهم وقدمهم الذي يعود للعام 2009، إلا أن صلاحية الشركة تنحصر الآن في التعاقد مع ذوي الشهداء حصراً، والمسابقات والاختبارات تمّ حصر الإعلان عنها عن طريق وزارة التنمية الإدارية منذ العام 2017، وهي موجهة بالدرجة الأولى في الفترة الحالية لاستيعاب الشبان المسرّحين الذين أمضوا سنوات عدة في ساحات المعارك، والشركة لا تملك أية وسيلة حالياً لمراعاة موضوع أفضلية مياوميها إلا في حال تمّ الإعلان عن مسابقة شاملة على مستوى الوزارة، حيث يمكنهم حينها إعطاء أفضلية 50-60% من الوظائف التي سيعلن عنها لمياومي الشركة.

بلا رد..

وعلى اعتبار أن وزارة التنمية الإدارية هي المعنية بمتابعة ما يتعلق بالمسابقات والاختبارات لدى الجهات العامة، وتوجيه الإجراءات القانونية والإدارية الكفيلة بالإصلاح الإداري وتبسيط الإجراءات، تواصلنا مع المكتب الإعلامي للوزارة وتقدمنا بطلب لمعرفة سبب فشل الاختبار الذي أعلن عنه لتعيين العمال المياومين في شركة اسمنت حماة، وإن كانت الوزارة تنوي الإعلان عن إجراء مسابقة جديدة أو اختبار يساهم في حلّ مشكلتهم، أو كان لديها أية حلول تضمن حقوقهم في زيادة رواتبهم، والحصول على كامل تعويضاتهم، إلا أن الوزارة وللأسف لم تجب عن تساؤلاتنا رغم الانتظار ومعاودة الطلب، وهذا طبعاً شيء مستغرب، وخاصة في هذه المرحلة التي أناطت بالإعلام مسؤولية الإضاءة والبحث عن مكامن الخلل أو الإهمال لإصلاحها، ومن وزارة تعنى منذ عدة سنوات بوضع مشاريع لتحديث قوانين العمل، والتنظيم المؤسساتي، وقانون حق الوصول للمعلومة.

ضعنا بالوعود!

وخلال شرحهم لمعاناتهم الطويلة تلمّسنا صعوبة أوضاع هؤلاء المياومين الذين أغرتهم الوعود بالتمسّك بعملهم، أو التوجّه لعمل آخر، أو مسابقة أخرى عندما كان الأمر متاحاً، فلا هم ظفروا بأجر يساوي أجر بقية العمال، أو حقوق تساوي حقوقهم، ولا تمّ حتى تثبيتهم أو تعديل صفة التعاقد معهم.

وروى أحد مياومي الشركة أنه ومنذ بداية الحرب على سورية، واقتراب الخطر من قريته كفربهم التي تتواجد فيها معامل شركة إسمنت حماة الثلاثة، كيف بادر مع مجموعة من الشبان في العمل لحراسة تلك المعامل، واستكمال نقص عمالها من منطلق الحرص على استمرارية هذه المعامل الوطنية الإستراتيجية، ومن ثم تمّ استخدامهم بصفة مياومين بمرتب شهري قدره 13 ألف ليرة فقط، وفي العام 2019 أصبح يحصل على مرتب قدره 31 ألفاً دون الحصول على أية حقوق أخرى كالطبابة، أو الضمان الصحي، أو حوافز، أو أية تعويضات أخرى، ورغم كثرة الوعود لم تتمّ تسوية أوضاعهم، والكارثة أن أعمارهم الآن تزيد عن الأربعين عاماً ولا يمكنهم البدء بعمل آخر.

وذكر مياوم آخر أن مرتبهم قد يصل إلى 50 ألفاً فقط إذا نجحوا بالحصول على الزيادة الأخيرة، وأنه في حال تعرّض للمرض فلا يحصل سوى على استراحة لنهاية اليوم إذا سقط أو فقد الوعي خلال العمل دون الحق بالمطالبة باستراحة، أو إجازة مرضية، وهذا وضع يجب معالجته بشكل فوري بغضّ النظر عن تعديل صفة التعاقد كونه يمسّ إنسانية المياوم وتقدير جهده عدا عن حقوقه الأخرى.

بشار محي الدين المحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *