مجلة البعث الأسبوعية

ملتقى جوقات سورية.. أكثر من لقاء موسيقي!!

“البعث الأسبوعية” ــ أمينة عباس

في العام 2017، وفي ظروف صعبة كانت تعيشها سورية آنذاك، كان إصرار دار الأسد للثقافة والفنون على إطلاق الدورة الأولى لملتقى جوقات سورية، وكان صاحب الفكرة، المايسترو ميساك باغبودريان، قائد الفرقة السيمفونية.. حينها شاركت فرق كورالية من مدن سورية عدة، منها حمص وحلب وطرطوس ومشتى الحلو وصافيتا، وكان عدد كبير منها عانى من الإرهاب، ورغم ذلك لم تتوقف عن القيام برسالتها الفنية.

 

عمل ثقافي حقيقي

مؤخراً، وبعد انقطاع نتيجة الأوضاع الصحية التي فرضتها كورونا، عاودت الدار تنظيم الملتقى لتستمر بما بدأته في تسليط الضوء على بعض الكورالات الموجودة في المحافظات السورية ودعمها، على أمل أن يصبح تقليداً سنوياً يستهدف تعريف الجمهور على كل الجوقات المنتشرة في سورية، وكانت وزيرة الثقافة د. لبانة مشوح قد وصفت مبادرة إقامة الملتقى بالرائعة والمهمّة جداً، وأثنت على جهود إدارة دار الأوبرا لتنظيم هذا الحدث، ورأت أن له أبعاداً نفسية وثقافية وإنسانية غاية في الأهمية، وأنه يمثّل عملاً ثقافياً حقيقياً عبر نجاحه في جمع 250 مغنياً ومغنية ضمن عشر جوقات اجتمعت من مختلف المحافظات لتشاهد ما يعرضه كل فريق وتكتسب مهارات جديدة، وتقيم مع بعضها، في جوّ فني تبني من خلاله علاقات ثقافية متنوعة، مع تأكيدها على ضرورة دعم الجوقات الموسيقية وإحياء الفن الراقي الذي تقدمه، مبيّنة أن الهدف الاستراتيجي من الملتقى هو الحفاظ على تنوّع المكونات الثقافية بمشاربها المتعددة والتي تعزّز الهوية الوطنية، وأن هذا التنوع التراثي الغني هو جزء من عملية توثيق التراث اللامادي بهدف حمايته وصونه للأجيال القادمة، مع العمل على تطويره لضمان استدامته.

 

معايير مدروسة

وبيَّن مدير الدار، أندريه معلولي، أن هذا الملتقى يتيح المجال للجوقات المشاركة فرصة الحوار الثقافي من خلال ما تضمنه من محاضرات وورشات عمل ترافق الأمسيات الكورالية التي تزيد من خبرات هذه الجوقات، وتضعها على سلّم التطور بشكل دائم، موضحاً أنه تمّ اختيار الجوقات بعناية من مدينة دمشق وعدة محافظات، مع مراعاة مشاركة جوقات لم تُشارك بالدورة الأولى لتمثل محافظتها ولتقدّم برنامجها الخاص الذي خضع لمعايير مدروسة من قبل لجنة مختصة.

 

جوقة في كل مدينة

ورأى باغبودريان أن الملتقى ليس مجرد لقاء موسيقي بل هو لقاء اجتماعي تجتمع فيه عدة جوقات من محافظات مختلفة لتغنّي بانسجام للوطن، على اختلاف أطيافها وتنوعاتها الاجتماعية، متمنياً وجود جوقة في كل مدينة وحيّ لتشجيع هذا اللقاء، ولنعرف كيف نعيش مع بعضنا رغم الاختلافات الموجودة، مؤكداً أن ملتقى جوقات سورية هو ملتقى إنساني بالدرجة الأولى، متمنياً أن يكون خطوة باتجاه إقامة ملتقيات في كل المحافظات.

 

القيمة الحقيقية

واعتبر قائد جوقة صدى من يبرود، باسل حداد، أن الملتقى حفّز حالة الغيرة الإيجابية بين الجوقات، حيث قدّمت الجوقة الأقدم خبرتها للجوقة الأحدث، ليأتي حفل الختام تتويجاً لجميع هذه الجهود وتحقيقاً للقيمة الحقيقية لهذا الملتقى وهي أداء الجوقات أنماطاً موسيقية جديدة عليها.

 

ورشات عمل

ولضرورة الاستفادة من وجود الجوقات القادمة من المحافظات وعدم هدر وقت فراغها بل استغلاله عبر التدريب المفيد كان الحرص على إقامة ورشات عمل تضمنت أربعة محاور: تقنيات الغناء الكورالي بإشراف غادة حرب، وأنماط الغناء الكورالي وأنواع المؤلّفات الكورالية بإشراف بشر عيسى، وألعاب كورالية بإشراف حسام الدين بريمو, والموسيقا الشعبية السريانية بإشراف شادي سروة.

وبيّن أندريه معلولي أن ميزة هذه الورشات أن كلّ مجموعة منها كانت تضمّ خليطاً من جميع الجوقات، ما يساهم في تعزيز روح التعارف والتلاقي والتعاون وتبادل وجهات النظر والخبرات بين هذه المدارس الموسيقية المختلفة، مع تأكيده على ضرورة انتقال مختلف خبرات هذه الورشات إلى جميع المحافظات، بحيث تُطبّق عبر المتدرّبين على مجموعات خاصة من الأطفال لبناء جيل متطور موسيقياً، وهو ما يشكّل الأهداف البعيدة لهذا الملتقى.

أما المايسترو باغبودريان، عضو اللجنة المنظمة للملتقى، فنوّه بأن اختلاف المحاور وتنوعها كان هدفه مساعدة مغنّي الكورال على زيادة معرفته وإثارة فضوله باتجاه فكرة معينة، وتحفيزه على تعلّم المزيد في ما يخصّ نمط الغناء الجماعي، ولفت إلى أنه تمّ تشكيل أربع مجموعات من الكورالات ضمت أعضاء من جميع الجوقات ضمن المجموعة الواحدة، لإتاحة فرصة للتعارف بين الجميع.

 

ألعاب كورالية

وحول المحور الذي أشرف على تقديمه للمشاركين بورشات العمل، تحت عنوان ألعاب كورالية، أكد حسام بريمو أنه حاول أن يوصل للمشاركين فكرة مفادها أن الموسيقا مرح: “تعالوا نفرح ونغني من كل قلبنا ونخرج في النهاية بمُنتج رصين مدروس ودقيق من خلال إيجاد طرق ذكية لتمرير المعلومة لجميع المستويات، فجعلتهم يلعبون ألعاباً إيقاعية موزعة على أربع زمر بحيث تقوم كل زمرة بفعل مختلف عن الأخرى، ليعتادوا على فكرة الاختلاف، وهذا مفهوم مهمّ في الغناء الجماعي.

مغنية الأوبرا وقائدة كورال غاردينيا، غادة حرب، عبّرت عن ارتياحها لأن جميع المشاركين في الورشة كان لديهم الشغف نفسه للمعرفة الأوسع، فكانوا متجاوبين ومتفاعلين جداً، مشيرة – وهي التي أشرفت على محور تقنيات الغناء الكورالي – إلى أنها تناولت فيه طريقة الغناء وتقنياته واستعمالها في الغناء الجماعي، أي كيف يمكن أن يغنّي المشاركون في الكورال مع بعضهم، وما الصوت الذي ينبغي أن يستعملوه، وكيف يمكن أن يحققوا التوازي بين الأصوات.

كما بيّن بشر عيسى قائد كورال أرجوان من طرطوس والمشرف على محور أنواع المؤلفات الكورالية أن كل معدّ في الورشة قدّم تقنية جديدة في الغناء الكورالي من خلاصة تجربته أو التجارب المعروفة مسبقاً، معبراً عن شكره لكلّ من كان وراء إطلاق الملتقى الذي جمع محبّي الغناء الجماعي المتباينين في الثقافات والأمزجة بهدف تطويره، خاصة وأن الكورال هو نمط موسيقي جديد على المنطقة العربية، وأن من يعمل به يقدّم ما لديه حسب خبرته الخاصة التي لا تزال قيد التجربة.

 

الجوقات المشاركة

كورال الحجرة التابع للمعهد العالي للموسيقا في دمشق، بقيادة ميساك باغبودريان، وجوقة صدى “يبرود” بقيادة باسل حداد، وكورال أرجوان “طرطوس” بقيادة بشر عيسى، وجوقة قوس قزح “دمشق” بقيادة حسام الدين بريمو، وجوقة السيدة العذراء أم الزنار للسريان الأرثوذكس بقيادة اسكندر يشوع، وكورال حنين “صافيتا” بقيادة ماهر رومية، وكورال غاردينيا “دمشق” بقيادة غادة حرب، وكورال الراعي الصالح “اللاذقية” بقيادة الياس سمعان، وكورال سبينتياريان “حلب” بقيادة مارغريت خجادريان بندك، وجوقة مار أفرام السرياني البطريركية “دمشق” بقيادة شادي سروة.