ومضات

سلوى عباس

إذا كانت قلوبنا موجوعة كيف لعقولنا أن تهتدي؟ وإذا كان عقلنا مشتتاً كيف ترتاح قلوبنا.. مأساتنا أننا نرغب الحياة المثالية بكل أبعادها، وفي آخر النهار ينام الكون كله بما في ذلك حلمنا المثالي ويبقى شيء واحد مستيقظاً هو واقعنا الموحش، مع أنه الوحيد الذي نريده أن يغفو، لكنه يعاند ويبقى مستيقظاً، فهل أكثر من ذلك تناقض نعيشه مع واقعنا ومع أنفسنا، والذي نريد أن نعيشه يبقى حلماً، فأعمارنا موحشة إن لم يكللها الحب، موحشة حتى الأماكن والذكريات يوم نمر بها وفي أرواحنا يستوطن الحزن والوجع..

هكذا وفي كل مرة يتألق شوقي لك إلى ذراه وأمد يدي لاحتضانك فيخطفك مني خوفك والتردد، أفتح نافذة القلب المفضية إليك وأرسل في سمائك اللازوردية حمامة من عشق وهوى، أحمّلها وجدياتي وأحلامي الندية، أطلقها في جناح من صفاء الروح وسجى اللوعة، تبتعد في فضائك الوسيع ولا يعود منها إلا صدى من تمنّع يؤفل لهائب الشوق، ويذري الكلام على بلاط البرد.

هكذا في مرات كثيرة يؤنبني ظلي ويهز أصبعه في وجهي أن أكون في المرة القادمة أكثر تهذيباً وانضباطاً، أكثر بأساً في لجم الشوق عن الانفلات على قارعة الطريق، أن أسمو بمشاعري إلى درجات العذاب والاحتراق، فهذا يصقل النفس ويرفعها عن ما هو إنساني، ولكني كلما وقفت أمام مرآتي لا أرى فيّ من صفات الملائكة شيء، فليس لي جناحان ولست متسربلاً بالبياض ورأسي لا تحيط به هالة من قدوس الضياء، أجد أني أشبه نفسي، أشبه قلبي كثيراً، سألته مرة هل للملائكة قلوب.. عجز عن الإجابة.

****

لم أنس الكتابة إليك.. وكيف أنسى وروحي معجونة برائحتك، ولكن ربما كان الاستمتاع بنشوة الاشتياق إليك وراء هذا الغياب.. ولكن “كيفك أنتَ”.. مازالت أول الكلام وستبقى..

يا فنجان قهوتها كيف هي شفتاها وهي ترتشف قهوتها الصباحية.. كيف هو وجهها الحزين آخر النهار المشرق في ليلها.. ما هي أخبار الأنامل الخجولة وهي ترتجف من البرد ربما.. وربما من هاجس آخر.. يا مكتبها.. أتذكر اللقاء الأول والساعة الثالثة.. لم أكتشف المطر هنا.. فما زلت اقترب منه بخجل.. هل يعقل أن يغسلني مطر آخر غير مطر دمشق.. دمشق وياسمينك يقتلني.. لك عمري..

يا امرأة المسافات البعيدة مدي لي شراع يديك من غير ميعاد.. لك الشوق يكتب واحتراق مساء لابد سيأتي معك، فرائحة ياسمينك تغسلني.. تعتقلني للحظة تكونين فيها ويكون النبض الآخر كأول مرة التقينا.

****

حاول أن يمنعها من الذهاب ويضمها في قلبه، ويواري وجهها البهي بين الضلوع، وأن يدفع عنها الريح كي لا تفارق خصلة من شعرها الخصلة الأخرى.. أن يدفع بصدره عنها أشواك النباتات المتوحشة، وأن يرمي بروحه على شوكة تترصد أصابعها على مفرق وردة.. دائماً يرسل طيفه إلى سريرها الوادع، يغطيها في هدأة نومها، ويهش عنها برودة الليل ويشعل دمه شمساً لصباحاتها التفاحية.

سار في الطريق حائراً.. كيف كان لها أن تبتعد دونما التفاتة.. كيف استطاعت أن تبعد كل ذلك الورد الذي همى في دربها.. كيف حولت الهواء حوله إلى رمال، ورطوبة يدها إلى موجة من نار..

ليس لديه قوارب نجاة، ولا قدرة على التنفس.. ابتعدت وتركت له أفقاً من لزوجة وصحارى.. لا سماء هنا الآن ولا أقواس قزح.. لا شيء ينقذ قلبه من ضراوة الهم.. ولا أحد غيرها يمد يداً من حنين.. لا أحد غيرها ينتشل روحه من معاصر الحزن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *