المعارض الخارجية.. البعيد منك قريب.. هل تفلح مساعي البحث عن أسواق جديدة لمنتجاتنا؟

تبرز في الآونة الأخيرة أهمية المعارض الخارجية في إطار إثبات التعافي الصناعي والتجاري، مع تنامي الحاجة للتصدير والقطع الأجنبي، إضافة للانفتاح الكبير الذي تشهده معظم أسواق العالم للتمكن من النمو بشكل متسارع، ويلحظ تركز معظم معارضنا الخارجية في دول الجوار، مع قلة المبادرات الفردية المشاركة في عدد من المعارض البعيدة التي مازالت غامضة النتائج للغالبية، وهنا يطفو التساؤل إن كان من المجدي حقاً البحث عن أسواق غير تقليدية تحقق مزايا كبيرة للصناعي والتاجر، وتخفف من منغصات التعامل التجاري المتكررة مع دول الجوار، والتي مازالت قيد الدراسة، والتشاور دون حلول حاسمة رغم كثرة اللجان والوعود؟

نجاحنا في الجوار 

إن المهمة الأساسية لسلسلة معارض “صنع في سورية” هي مساعدة كافة الصناعيين في الترويج لمنتجاتهم، سواء في الأسواق الداخلية، أو البحث عن أسواق خارجية لتصريف فائض المنتجات، وزيادة كمية إنتاج المنشآت الصناعية بهدف دعم وإنعاش الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي نعيشها، ويرى رئيس لجنة تنظيم المعارض في اتحاد غرف الصناعة السورية طلال قلعه جي أنه يجب التركيز خلال إقامة المعارض على قلة التكاليف، وعدم خسارة العارض لآلاف الدولارات في إقامة معرض خارجي بعيد يفتقر لدراسات واضحة لما سيحققه من مكاسب للعارض، مؤكداً أن تجربة معارض صنع في سورية كانت ناجحة في دول الجوار، وقد انعكست على العارض بالفائدة من خلال تأمين التواصل بينه وبين المستهلك للوصول إلى المنتجات التي ترضي كافة الأذواق، وتتناسب مع القدرة الشرائية، كما تعود على الأخير بالفائدة من خلال الحسومات، والعروض، والجوائز.

وذكر قلعه جي أن معرض صنع في سورية بدأ في بغداد منذ أربع سنوات، وشكّل نقلة نوعية للصناعي السوري من خلال الحصول على عقود تصديرية، وتعيين وكلاء لمنتجاتنا، كما ساهم بإثبات وجود الصناعي في السوق العراقي بعد طول غياب، والتأكيد على محافظة المنتج السوري على جودته المعهودة، وسعره التنافسي بين كافة المنتجين الإقليميين كالإيراني والتركي.

وأشار قلعه جي إلى أنه تم التنسيق الكامل بين اتحادات غرف الصناعة، والتجارة، والمصدرين لوضع خطة لإقامة مجموعة معارض خارجية، أولها في معرض اكسبو دبي الذي سيبدأ اعتباراً من بداية الشهر القادم، حيث يعتبر من المعارض العالمية، وفرصة حقيقية لترويج منتجاتنا بين عدد كبير من الدول التي ستشارك فيه بشكل واسع، كما سيتم التركيز خلال مشاركتنا في المعرض على إظهار الجانب الحضاري والتراثي ضمن الجناح، إضافة لاحتواء الجناح على استاندات لكافة القطاعات الصناعية الوطنية المتنوعة، كما سنشارك في معرض بغداد في شهر كانون الأول من العام الحالي، وبعدها مباشرة في الأردن، وليبيا، وستثبت هذه المعارض، وفقاً لقلعه جي، قدرة منتجها الصناعي على التنافسية بين جميع الدول، وقدرة الجناح السوري على أن يكون الأفضل بين جميع العارضين.

أسواق واعدة 

الأسواق ليس لها زمان ومكان، سواء كان المكان قريباً، أو بعيداً، خاصة إذا أردنا التوسع في رقعة الإنتاج، فكما شيد أجدادنا طريق الحرير التجاري علينا نحن الآن إكمال المشوار عبر ابتكار أسواق جديدة تجاري عصر السرعة، والانفتاح الحضاري، وسهولة التواصل، والخروج عن قاعدة الأسواق التقليدية، حيث بيّن عضو غرفة تجارة دمشق وريفها مازن الحلو أننا في ظل الأزمة فقدنا معظم أسواقنا التقليدية بدول الجوار، وحل مكاننا منافسون إقليميون يصعب علينا في ظل هذه الضغوطات والصعوبات السيوجغرافية كسر منافستهم لمنتجاتنا، وهذا بدوره أثّر سلباً على حركة التصدير، وخفض الإنتاج في كثير من المنشآت الصناعية، ومن هذا المنطلق يجب علينا التفكير بشكل جدي لتأمين تشغيل أكبر عدد ممكن من اليد العاملة، والحفاظ عليها، وتأمين تشغيل وتطوير معاملنا، وتطوير اقتصادنا عبر افتتاح أسواق جديدة للمنتج السوري تساعد في استمرار دوران عجلة الإنتاج.

ويرى الحلو أن هناك حاجة للأسواق البعيدة بالتزامن مع القريبة، لأن الظروف السياسية لعبت دوراً سلبياً في الحد من صادراتنا لدول الجوار، إضافة لمعاناتنا الطويلة والمتكررة في المشاكل اللوجستية من صعوبات الشحن، والترانزيت، والجمارك، والمعابر، ومشاكل عدم الاستقرار، وما نجم عنها من تعرّض قافلاتنا التجارية للسرقة، أو مصادرة البضائع منها خلال دخولها لدول الجوار، وقيام تلك الدول بفرض شروط تعجيزية وغامضة ومتعددة على مصدرينا، فالأردن مثلاً حظر دخول أكثر من 100 منتج لحماية صناعته المحلية، كما أن منتجاتنا مروّج لها في معظم الأسواق القريبة، خاصة العراقية، وبالتالي فمن واجبنا التفكير بإقامة معارض ترويجية في الدول البعيدة، وبشكل أكبر، كما أن أسواق دول الجوار غير متعطشة لجميع منتجاتنا باستثناء الغذائية، والكيميائية، وفق ما قاله عدد كبير من العارضين الذين تعذر بيعهم لمنتجاتهم في معارض دول الجوار.

وذكر الحلو أنه خاض تجربة تصدير البضائع إلى السوق الأفريقية منذ عام 2004، وخاض غمار تجربة تنظيم المعارض في دول السنغال، ودكار، وغامبيا، وجيبوتي، والصومال، وغينيا، وبيساو، وغانا، وساحل العاج، وكوناغري منذ عام 2005، ويتواصل حالياً مع العديد من الغرف لإنجاح هذه التجربة، كون تلك الأسواق قليلة المعامل، وكثيفة سكانياً، ومتعطشة لاستيراد كافة المنتجات الغذائية، والنسيجية، والكيميائية، والعطورات، والاكسسوارات ذات مستوى الجودة الجيد، وتضمن هذه الدول تسهيلات واسعة في التعامل، أولها أنها محايدة سياسياً، ومستعدة للتعامل مع تجارنا وصناعيينا دون التأثر بأية قيود خارجية، وتؤمن الفيزا ضمن وقت قصير عبر قنوات رسمية، كما أن الدخول الصيني مازال محدوداً في تلك الأسواق.

ويرى الحلو أن فرصة نجاح التاجر والصناعي السوري تفوق نسبة 60 – 70% في تلك الأسواق استناداً إلى دراسة اقتصادية أجراها على كافة المنتجات في أسواقهم من حيث قدرة المنتجات السورية على المنافسة، وبالمقابل فإن هناك عدداً من الأصناف غير المرغوبة أو القاصرة عن تحقيق التنافسية في تلك الأسواق، وأبدى استعداده لتقديم المشورة لأي صناعي أو تاجر في هذا السياق، ومع ذلك فإن هناك مجموعة من المنغصات الموجودة في السوق الأفريقية، إلا أنها، وفقاً للحلو، تعتبر بلا قيمة، ويسهل التغلب عليها، خاصة أن مسؤولي تلك الدول لينون بالتعامل مع كافة الفعاليات الاقتصادية، وسبق أن التقى خلال أحد المعارض برئيس اتحاد الغرف التجارية في السنغال الذي أعجب بالجناح السوري، والتعامل مع المشاركين السوريين، وأبدى رغبته بتطوير التبادل التجاري بين البلدين، كما عرض حسم 25% من الجمارك في حال تم توقيع بروتوكول رسمي مع الجانب السوري.

أما بخصوص التكاليف في هذه المعارض فهي مرتفعة نسبياً إذا ما قورنت بتكاليف المعارض القريبة بسبب غلاء كلف الشحن، وتذاكر الطائرة، ومع ذلك فالنتيجة واحدة كونها أسواقاً هامة، وستعود بفوائد عديدة على العارضين، فهي رغم نعتها بالأسواق البعيدة، إلا أنها أسواق خام يمكن التعويل عليها بشدة، كما دعا الحلو كافة الصناعيين والتجار وغرف الصناعة والتجارة لخوض هذه التجربة بأسرع وقت.

لاختلاف الثقافات 

المعارض الخارجية خطوة هامة لنشر المنتج السوري في الخارج، وكل معرض يعود على العارضين بمجموعة من عقود التصدير عدا عن عمليات البيع المباشر، وبيّن أحد رجال الأعمال، رفض أن يدلي بتصريح باسمه تجنباً لفهم كلامه كعداوة مع أية شركة للمعارض، أننا الآن بأمس الحاجة للتصدير لتعديل ميزاننا التجاري، وأن ما حدث في معارض العراق يبشّر بالخير، والآن يتم التعويل على إقامة المعارض في الدول الخليجية لاستعادة أسواقنا التصديرية السابقة.

ولكن بالمقابل علينا دراسة الأسواق، ومعرفة مدى طلبها لمنتجاتنا، ومن هم منافسونا لديهم، وهل بإمكاننا طرح منتج تنافسي من المادة ذاتها، وفي السوق ذاته، وطالب رجل الأعمال بالتركيز على عدم جعل المعارض ربحية، فهي في كل الأحوال تتلقى الدعم المادي الكبير من كافة الجهات المعنية، وأيضاً ستعود على العارض بالنفع بأشكال متعددة، ويفترض على الأقل توزيع ريعها وأرباحها على أسر الشهداء والجرحى، وغيرها من النشاطات الخيرية، وطالب بوضع شروط وإجراءات تضمن جدية وسمعة شركات المعارض، مثل إيداع مبلغ تأمين لدى الخزينة العامة يضمن حقوق العارضين بعد كثرة الشكاوى من قبلهم على شركات للمعارض تقوم بجر العارض إلى أسواق لم يختبرها التاجر أو الصناعي السوري من قبل، ودون أدنى دراسة عن متطلباتها، أو طريقة معيشتها، أو مستوى الدخل فيها، أو طبيعة المأكولات فيها، أو حتى الألوان التي تلبسها شعوبها، وهذا الأمر إن لم يستند إلى دراسات رسمية وموضوعية وموثقة فسيشكّل كارثة لغالبية المشاركين في تلك المعارض الذين سيخسرون آلاف الدولارات، وفي الوقت ذاته سينعكس الربح على شخص أو شركة فقط.

صناعاتنا في المغترب 

يعتبر السوق الأفريقي من الأسواق الهامة جداً، ومنتجاتنا مرغوبة فيه كونها ذات جودة عالية، وتحقق تنافسية عالية هناك بسبب ارتفاع المنتجات في أسواقهم، وذكر لنا صاحب أحد مصانع الألبسة النسائية أنه شارك بعدة معارض في السنغال، وأصبح لديه عدد من الزبائن الذين رغبوا بشراء المنتجات السورية، ويخطط للمشاركة في معارض أخرى في دول أفريقية بعد تخفيف إجراءات كورونا.

كما لاحظ المغترب أحمد مراد خلال إقامته في السنغال قيام العديد من التجار والصناعيين السوريين بالتردد إلى معارض السنغال، ومشاركتهم المميزة والمتنوعة ببضائعهم في الجناح السوري، ولكن بالرغم من ذلك فقد نوّه مراد بأن نسب البيع كانت قليلة جداً، كما أن أغلب العارضين لا يكملون ارتباطهم بتلك السوق من خلال الحصول على عقود تصدير، وأشار إلى أنه توجد في السنغال العديد من الشركات والمنشآت الصناعية السورية التي تحقق أرباحاً جيدة، وتحظى بسمعة عالية في السوق.

تريث 

تواصلنا مع مدير المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية غسان الفاكياني لسؤاله حول موضوع المعارض الخارجية البعيدة والقريبة، والمفاضلة بينها، إلا أنه فضّل التريث بالموضوع لما بعد نهاية العام الحالي لعدم جهوزية الإحصائيات، أو ورودها بشكل كامل من جميع الجهات، سواء التجارية، أو الصناعية، أو الشركات المنظّمة، أو تقارير السفارات، أو من قبل المشاركين.

بشار محي الدين المحمد  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *