فرنسا وعقدة المشكلات الداخلية والخارجية.. ماذا بعد؟

محمد نادر العمري

بعد جملة انتكاسات وصعوبات شهدها الوضع العام الداخلي الفرنسي على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نزل المواطنون الفرنسيون إلى الشارع للتظاهر على مدى أشهر عديدة بقيادة ما سُمّي بالسترات الصفراء، كتعبير عن الغضب الشعبي الداخلي على الأوضاع المتردية في جميع النواحي التي تمّ ذكرها آنفاً. وتعززت في فترة لاحقة نتيجة ما خلفته أزمة الوباء العالمية “كوفيد- 19” من تراجع واضح للاقتصاد وفرض التلقيح الإجباري الذي ووجه برفض شعبي دفع البعض للتظاهر ضد أشكال الفرضية هذه، وانتهاء بالصفعة التي تلقاها الرئيس إيمانويل ماكرون وحزبه وحلفاؤه من انقلاب المشهد سياسياً في الانتخابات المحلية السابقة نتيجة عدم الحصول على نتائج إيجابية مع صعود الاشتراكيين مجدداً.

هذه الصعوبات والتحديات الداخلية التي تواجه فرنسا ونظامها السياسي على المستوى الداخلي، لم تكفِ الرئيس ماكرون الذي يواجه خطر الخسارة في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2022، لكي يلتفت نحو الداخل، بل دفعته نحو زج فرنسا بجملة خلافات خارجية يمكن وصفها بأنها تعكس الاضطراب في السياسة الداخلية وقد تكون امتداداً لها. فاليوم باتت الدبلوماسية الفرنسية في دائرة مشاحنات وأزمات مع عدد كبير من الدول في مقدمتها الدول الكبرى، بما في ذلك حلفاء باريس في الناتو: الولايات المتحدة وأستراليا والنظام التركي، ناهيك عن أزمات جديدة آخذة في التمدّد.

ومن أبرز هذه الخلافات الحديثة توتر العلاقات مع الجزائر بعد التصريحات الاستفزازية للرئيس ماكرون والتي تضمّنت تشكيك بلاده “بوجود أمة جزائرية قبل الحقبة الاستعمارية الفرنسية”، والزعم بأن “النظام السياسي العسكري الجزائري أعاد كتابة تاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر على أساس كراهية فرنسا”، وهو ما أثار حفيظة الجزائر وغضبها، والتي سارعت باستدعاء سفيرها في باريس على وجه السرعة وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية.

هذه التصريحات الموجّهة إلى الجزائر استغلها النظام التركي للانتقام من فرنسا بعد أن ارتفعت مؤشرات التوتر بينهما للمناوشات البحرية في المتوسط، وكشف النظام التركي عن أطماعه في المتوسط، وقيام فرنسا بالتحالف عسكرياً مع اليونان في المتوسط في ظل أزمة بين أثينا وأنقرة على ترسيم الحدود وثروات المتوسط.

تبادل الطرفان الاتهامات حول الماضي التاريخي والاستعمار، وهو ما عبّر عنه بداية الناطق الرسمي باسم “حزب العدالة والتنمية” عمر جليك بالقول: “إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يهاجم تركيا للتهرب من مواجهة إرث بلاده الاستعماري”، وردّ ماكرون السريع على ذلك من خلال الإشارة إلى الإمبراطورية العثمانية.

بعد هذه الأزمة أقحمت فرنسا المطوقة بسلسلة أزمات وعقد داخلية وخارجية نفسها بأزمة استفزاز جديدة، كان آخرها توجّه نواب فرنسيين يتقدمهم وزير دفاع سابق في زيارة ماعرف بتضامن مع “تايوان”، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لاستعادة الصين عضويتها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو سلوك اعتبرت الصين أنه يهدّد بالإضرار بمصالحها وبالعلاقات مع فرنسا ذاتها. ومع أن العلاقات مع الصين تشهد نمواً خلال المرحلة السابقة وفي ظل تخلي واشنطن عن حلفائها التقليديين، تمسّكت الخارجية الفرنسية برفضها الاحتجاجات الصينية المندّدة لهذه الزيارة، مشددةً على أن أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي أحرار في “تنقلاتهم”، ولكن هذا التعبير الدبلوماسي يوحي بأن هذه الزيارة لم تكن بقرار مستقل ودون غطاء وموافقة حكومية من جانب، ومن جانب آخر يمكن قراءة هذا التصريح الدبلوماسي بأنه تعبير فرنسي على مواصلة سياسية “المواجهة” والتحدي حتى مع الصين، استرضاءً للولايات المتحدة الأمريكية التي دفعت سدني للتخلي عن صفقة الغواصات مع باريس مقابل الدخول في سياستها التحالفية الجديدة!.

ومن صور التوتر الأخرى لباريس مع الدول الخارجية تمثلت في امتداد التصعيد إلى مالي التي كانت إحدى أبرز مستعمراتها في القارة السمراء، وتمثل ذلك التوتر بـ”التصريحات غير الودية والمهينة الصادرة عن الرئيس ماكرون بخصوص مؤسسات الجمهورية”، وقوله إن “شرعية الحكومة الحالية في مالي باطلة ديموقراطياً”، وهاجم بشدة رئيس الوزراء المالي شوغويل مايغا لأنه قال إن فرنسا بصدد “التخلي” عن مالي، مما دفع الخارجية المالية لاستدعاء السفير الفرنسي لديها والاحتجاج على حديث ماكرون الذي وصفته الخارجية المالية بأنه “تصريح غير ديمقراطي يصدر من رئيس دولة يعتبر نفسه ديمقراطياً”.

ولعلّ أبرز صور التوتر تلك التي تسبّبت بها ضفتا المانش، وفيها حذّر رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس لندن من أن بلاده ستعيد النظر في “العلاقات الثنائية” مع بريطانيا، على خلفية خلاف على حقوق الصيد بين البلدين، ودعا كاستكس الاتحاد الأوروبي إلى أن يكون “أكثر حزماً” تجاه بريطانيا، متوعداً بأنه “إذا لم يكن ذلك كافياً، سنضغط، لدفع البريطانيين لاحترام تعهداتهم وسنعيد النظر في كل الشروط المدرجة في الاتفاقيات التي أُبرمت برعاية الاتحاد الأوروبي، بل كذلك بالتعاون الثنائي بيننا وبين المملكة المتحدة”.

التوقف عند هذه السياسات العدائية وغيرها يضعنا بين جملة من النقاط:

أولاً: يبدو أن فرنسا في عهد الرئيس ماكرون في طريقها نحو الانحدار السياسي أكثر مما كانت عليه في عهد فرنسوا هولاند، والمؤشر على ذلك تصاعد الغضب تجاه السياستين الداخلية والخارجية.

ثانياً: من شأن هذه التحديات والصعوبات التي باتت تقيّد فرنسا من كل صوب وحدب، أن تنهي الحياة السياسية للرئيس ماكرون في انتخابات العام القادم بعد محاولته إظهار نفسه وفرنسا نداً للدول الكبرى في بداية ولايته، ولكنها في صورة أخرى أيضاً تعبّر عن هشاشة الجمهورية الخامسة.

ثالثاً: من المؤكد أن عدم اتباع سياسة مستقلة ومحاولة فرنسا الوقوف في الوسط بين التبعية الأمريكية ومحاولة استقلال القرار، سيؤدي نحو الاضطراب والفوضى وهي الصورة التي باتت تنعكس للرأي العام الداخلي والدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *