سورية الرابحة تسقط “قانون قيصر” بيد أمريكية   

عمّان ــ محمد شريف الجيوسي

عندما جددت الولايات المتحدة الأمريكية فرض ما يسمى “قانون قيصر” على سورية، بعد أن هزمت دمشق الإرهاب الدولي الغربي الإسرائيلي الرجعي العربي والتركي الوهابي الإخواني، وحررت معظم أراضيها بدعم من محور المقاومة والأصدقاء، لم تكن واشنطن تتخيل للحظة أنها ستضطر لدفن هذا القانون الجائر تحت أقدام صمود أبطال سورية ومحورها.

لقد اعتور العلاقات الأردنية السورية، خلال السنوات الـ 10 ونيف الماضية، مد جزر، وحاولت دول جوارٍ وغيره استثمار حدود الأردن الجغرافية الطويلة مع سورية (نحو 370 كم)، وتسلل إرهابيون ودعاة جمعيات خيرية، في ظروف وتداخلات متشابكة، وتعرض لابتزازات اقتصادية، كانت تصل حد البيع بـ “القطعة”، وطاله بعض نار الإرهاب.

رغم ذلك بقيت العلاقات الديبلوماسية قائمة بين البلدين لم تنقطع، ولو بحدها الأدنى، وبقيت مفتوحة بالإتجاهين تجارة وتنقلاً باستثناء سنوات سيطرت خلالها العصابات الإرهابية على جنوب سورية، حيث عاثت خلالها فسادا وخراباً. وشمل التخريب المؤسسات الأردنية السورية المشتركة، وقام البعض يستقوي على المجتمع والدولة عندما حكم إخوان مصر وتونس والمغرب وخرّبوا في ليبيا واليمن، ولكن سورية صمدت، وسقط مرسي في مصر، وكانت هناك إجراءات احترازية، فتراجع صلفهم.

لقد تضرر الشعب الأردني كثيراً من انقطاع التواصل الديمغرافي والاقتصادي والتجاري والسياحي مع سورية، واكتمل الضرر باستكمال الانقطاع مع العراق، ومع سيطرة ذات العصابات الإرهابية على غربه وجنوب غربه.. وأحس الأردنيون خلال هذه الفترة العصيبة كم هي سورية مهمة بالنسبة لهم اجتماعيا وراحة بال ووطنيا وأدبياً وإيمانياً وقومياً (فمئات آلاف الأردنيين درسوا في سورية كما في العراق بالمجان)، وكم هي سورية مهمة لهم تجارياً واقتصاديا وسياحياً وحرفيا وتبضعاً، ونقلاً، وتجارة ترانزيت عبوراً شمالاً وجنوباً، كما هي أنساب ومصاهرات وتواريخ ضاربة في الأعماق، وهو ما لا يمكن أن تعوضه تريليونات المساعدات والمنح والقروض المفصّلة على مقاسات ومصالح الدول (المانحة)، ولا المداخيل القادمة من العمالة الأردنية في الخارج.

لكن الأردن الذي يدرك جيدا أهمية سورية بالنسبة له لا يستطيع الفكاك من حقائقها، ليس في وضع الخلاص من واقع ممتد منذ قرن، منذ عهد الإمارة؛ لذلك، من وجهته، هو معني بالموازنة بين طرفيْ معادلة بما هي عليه من تتاقض وتنافر، ولذا نراه كأنما يسير على خط مشدود بحيث لا “يسقط” يميناً أو شمالاً فيفقد ذاته، مهما بدا أنه على وشك الانحياز..

ومن هنا، رأينا الملك الأردني الحسين بن طلال يستثني الأردن من الحصار المفروض على العراق بين سنتي 1990 و2003، وهو الاستثناء الذي خدم الأردن كثيراً على غير صعيد وخدم إستقراره وأمنه، وخدم في آن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وأجل ثالثاً الإستهداف الأمريكي البريطاني الغربي للعراق طيلة تلك الفترة.

ومن جهته استثنى الملك عبد الله الثاني مؤخراً، الأردن من تطبيق “قانون قيصر” الذي يفرض حصاراً ظالماً على سورية، لما لذلك الاستثناء من خدمة جلى للأردن في ظل أزمة إقتصادية متصاعدة ومديونية متفاقمة سنة بعد أخرى، رغم الأرقام “الفلكية” التي يتحدث عنها الغرب كمساعدات وقروض ومنح وأعطيات وأرقام إضافية، لكنها جميعها لا تروي ظمأ ولا تسد عُجوزات، ولا تحل مشكلات متجذرة بفعل سياسات مانحيها بالذات، حيث تقدّم “المساعدات” وفق سياسات ترقيعية تخلق مشكلات أكثر مما تُصلح وتفرض سياسات؛ بما يصح التعامل به وما لا يصح، ومع من تتعاون أولا تتعاون، وماذا تستثمر وما لا ينبغي أن تستثمر…

يتم ذلك في وقت لا تفي الدول المانحة بكل تعهداتها، فالغرب بعامة، وفي المقدمة واشنطن، يعيش أزمات مستفحلة، ويريد اقتتال الآخرين بالنيابة عنه، بدلا من أن ينغمس هو مباشرة بالقتال وتسديد أثمان أسلحة وأعتدة مما يُنهب من ثروات الشعوب، بل إن على المتقاتلين عنه بالنيابة أن يدفعوا أكلاف توابيت مستشاريه وتلويثهم للبيئة (..) بزعم حمايتهم من أعدائهم الوهميين من أبناء جلدتهم أو دينهم، وبدل تعويضهم عما يزرع هو بينهم من فتن وشقاق.

وفي نطاق هذه الاستراتيجية الخبيثة الأخرى، تتخلص الولايات المتحدة وغربها من معظم أعباء الإنفاق على دول حليفة وتابعة ومريدة (وما ملكت أيمانها) ..

لقد أقنع الأردن الرئيس الأمريكي بايدن باستثنائه من قانون قيصر المتخذ أمريكياً ظلماً ضد سورية، وهو القانون الذي طبق بِحَرفيةِ عالية الدقة، فأوجع الشعب السوري، لكنه في آن خدم الدولة الوطنية السورية بمواجهة من بقوا يعتقدون أن السنوات الـ 10 العجاف، وما تلاها من شهور، كانت لصالح مزاعم الحرية، ليتبين لهم بهذا الحصار زيف هذا الاعتقاد.

وهكذا تكشف على نحو أشد وضوحاً لمن لم يكن يريد أن يرى أن الحصار جاء انتقاما من الشعب السوري، الذي بنى دولة الاكتفاء الذاتي ورفض مصالحة العدو الإسرائيلي ثم صمد بمواجهة الإرهاب الذي صنّعه الغرب ودرّبه وسرّبه وسلّحه وحماه وزوّده بمعطيات القوة والدعم الإعلامي ومناخات الإشاعة والتزوير.. فانحاز الشعب السوري بغالبيته العظمى لصالح دولته الوطنية السورية، وتجذر أكثر بانحيازه لرئيسه بشار الأسد الذي استحضر عوامل النصر وحماية سورية وتهيئة الظروف المناسبة لاستعادة كل ترابها الوطني وحريتها، فتحوّل ما صنّع الغرب من إرهاب وإرهابيين إلى أدوات تهدد أمنه واستقراره.. أو تكشفهم كأدوات بأيدي الغرب تهدد أمن بلدان أخرى، كما في أفغانستان وجوارها وغيرها..

وفي كلا الحاليْن خدم هذا التحول الدولة الوطنية السورية وقيادتها، وكشف حقيقة المؤامرة الكبرى التي شاركت فيها واشنطن والغرب وتل أبيب والعثامنة الأردوغانيين والأخاونة والوهابية والدواعش والرجعية العربية بعامة.

أقول أن استمرار الحرب الإرهابية والحصار الاقتصادي على سورية كشف حقيقة الحرب العدوانية الإرهابية عليها وعلى غيرها، وخدم الدولة الوطنية السورية يتجلياتها كافة، وفي آن أضر استمرار الحصار بمصالح الغرب العميقة وبمصالح أصدقائه في المنطقة.

ومن نقطة ضعف الغرب هذه، اقتنعت الإدارة الأمريكية رغماً عنها أن استمرار الحصار يضر بالاستراتيجية الأمريكية وبمصالح أصدقائها، ويخدم أعداءها في المنطقة ومنافسيها، وما عليها إلا أن تتخفف من هذه العقلية القديمة في التعامل السياسي والعسكري ومنطق العقوبات والخروج من صناديق التحجر.

وساعد على نجاح “النصيحة” الأردنية أن لبنان والعراق وليبيا، وربما تونس، أصبحت في جو مناخات فرنسية، في وقت تتحفز باريس لقصقصة النفود الأمريكاني في هذه الدول وأوروبا.. ما يستدعي إعادة النظر في سياساتها المتبعة والتفرغ لوسط آسيا والمحيط الهندي لمحاصرة وإضعاف الصين وروسيا وإيران، واستيعاب المارد الهندي قبل أن يكبر، ووضع الحدائق الخلفية لروسيا والصين تحت الوصاية إن إستطاعت، لكنها ستكون ورطتها الأخيرة وسقوط عالمها الإمبريالي الاستعماري العدواني العنصري الظالم.

لقد باتت أمريكا كبالع الموسى باضطرارها حصار “حصار قانون قيصر”، وفي ظنها أنها تطوق بذلك إيران وحزب الله في لبنان، لكنها تدفع ثمن ذلك حصار المجاميع الإرهابية التابعة لها شرق الفرات، وعند الحدود السورية الأردنية العراقية، وترْك تركيا في الشمال تلعق جراحها مع “قسد” الإرهابية، وتضطر لقبول الشروط الروسية التي لا تتوافق مع مصالح أمريكا؛ وفي النهاية ستخرج أنقرة من سورية خالية الوفاض، كما أمريكا، وفي ذلك مصلحة المقاومة وإيران، فضلاً عن كونه انتصاراً لسورية، وتخفيفا من مصاعب الأردن الاقتصادية.

بكلمات.. سورية أسقطت معادلة قانون قيصر الخاسرة، والأردن رابح من التحولات الإقليمية، وهو مستفيد جدا بتطويق هذا القانون، كما هي دول الإقليم، وحتى تركيا.. في حال “أخلصت النية والفعل” للرؤية الروسية دون تذاكٍ غبي مكشوف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *