معرض ناصر عبيد بين الطباعة والرسم مساحة مغايرة

شهدت صالة الشعب للفنون الجميلة معرض الفنان ناصر عبيد الذي افتتح في الـ20 من هذا الشهر برعاية رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين المهندس عرفان أبو الشامات وحضور العديد من الفنانين ومتابعي الفن التشكيلي، وضم أكثر من 40 لوحة من مختلف القياسات التي عالجت مواضيع الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية وبعض الحالات التجريدية الزخرفية والحروفية.. في جمع واسع لأطياف متعددة من الأساليب التشكيلية التي تنسقت وأنتجت بتقنية الطباعة الرقمية واستخدام فلاتر خدمة الصورة المعروفة في برامج الفوتشوب وغيرها مع بعض الإضافات اللونية المباشرة على سطح اللوحة من قبل الفنان سعياً لتقريب العمل نحو الحرفية اليدوية وإبعاده إلى حد ما من الحس الطباعي الرقمي.

اللافت في الأعمال جميعها متانة التكوين القائم على التوازن والانسجام المعماري الهندسي والمنسجم بالتنويعات اللونية وتدرجات الضوء ضمن قيم من الظل والنور في إشارة واضحة لكفاءة المتحكم بخيارات الشاشة المفتوحة على احتمالات واسعة وغنية تفيض عن خيال الرسام العادي الذي تستغرقه تلك المغريات اللونية والضوئية المتاحة له قبل الطباعة عبر تلك البرامج الالكترونية، وقد بدت واضحة تلك الاستعارات من صور بعض الأعمال الفنية المتوفرة في هذا الفضاء الأزرق مما يجعل السؤال محرجاً عن قيمة العديد من التجارب الفنية التي تستخدم تقنية الطباعة ومن ثم التلوين فوق اللوحة خاصة وأن الأمر أضحى مكشوفاً عند بعض الفنانين حيث لم يعد الأمر حيلة تقنية بل تعداها إلى أسلوب وخبرة تتيح لها الاستفادة من تقنيات العصر بحيث يمكن الدفاع عن منتجاتها وترويجها على أنها فنون تنتمي للوحة التقليدية؟!.

بعيداً قليلاً عن معرض ناصر عبيد المشغول بأناقة وجهد كبيرين والمميز ببوستر إعلان المعرض الأنيق والذكي، تنفتح التساؤلات نحو تجارب الآخرين وخاصة أولئك التلفيقيون الذين يشتغلون في الفن التشكيلي وقد بتنا نلاحظ ونشهد في الساحة الفنية السورية عدداً من أولئك الذين يسطون على بعض أعمال غيرهم  ويستثمرونها في مطبوعاتهم التي يروجونها على أساس أنها لوحة تشكيلية مرسومة باليد وبألوان زيتية أو اكريليك مضافة على السطح المطبوع.. هذا التلفيق أضحى يحتل مساحة واسعة ومؤثرة في سوق اللوحة وثقافة صناعتها خاصة وأن بعض هؤلاء ينكر أي أساس للطباعة في لوحته وبكل جرأة واستغباء للمتلقي، “فما العيب إن ذكر أن هذا العمل أو ذاك نفذ بعضه طباعياً أو أن بعض عناصر العمل مستعارة بإذن أو بلا إذن من لوحة فلان مثلاً!”. ولا يعني القول هنا عدائياً تجاه استخدام التقانات المتاحة وخاصة الرقمية، إلا أن العمل الفني له شخصية وشهادة ولادة مثل أي مخلوق نفيس وأصيل، ومن الضروري أن تذكر في سيرة اللوحة التقانات المستخدمة وتاريخ التنفيذ والمادة الحاملة للون كالقماش أو الكنفص أو الورق والكرتون، وفي حال كان العمل مكرراً وجب الالتزام بأخلاقية ترويج فن الحفر، حيث يتم ذكر عدد اللوحات المنسوخة وترقم حسب ترتيب وزمن طباعتها! ومن الضروري مثل هذه الإجراءات حفاظاً على الذائقة العامة وعلى قيمة اللوحة والفن الحقيقي العزيز أبداً في مواجهة الزيف والسطحية بحجة مواكبة تفاهة العصر، وفي هذا المقام كتب الناقد عمار حسن 2015:

“لقد صار هاماً بالنسبة إليّ أن أنظر إلى الزيف في اللوحة قبل أن أنظر إلى غيره، فكيف تكون اللوحة القائمة على الزيف لوحة فنية بالدرجة الأولى؟! وهل كان الإنسان الأول الذي رسم على جدران الكهوف وعلى أوانية وجدران منزله إلا إنساناً يربط بين الصورة وسلوكه اليومي وصولاً إلى فكره ومعتقده، فالرسم بالنسبة إليه كان انعكاساً لكل هذا، فما الذي اختلف اليوم، وهل لازال الفن أو الصورة انعكاساً لحياته وفكره؟ إذا افترضنا أننا نعيش عصر الزيف فهنا يكون ما يقدمه انعكاساً، لكن هل هذا دور الفن؟!

أعتقد أن مبدأ الشك فيما نراه مهم لقراءة العمل الفني بشكل أفضل، كما أن التمييز بين ما هو غث وسمين يكون الأهم في قراءة العمل الفني فليس كل نتاج يمكن إطلاق صفة الفنية عليه، وما أفترضه ضرورة يجب أن يتحلى بها المشتغلون على نقد أو قراءة اللوحة التشكيلية، لكن المستغرب لدينا أن يشارك في تأجيج الزيف النقاد أو من هم في صفهم عن علم أو غير علم فهي المشكلة الأكبر لأن الجميع في هذه الحالة يصبح مشاركاً في عملية الزيف وبالتالي فان المتلقي الذي تنطلي عليه اللعبة يكون في موقع الأضعف.

الذي استغربه كيف تنطلي اللعبة على مقتني هذا الفن المزيف، ممن يقدرون على شراء الأعمال المرسومة بمبالغ كبيرة جداً، إلا إذا كانت ذائقة هؤلاء مزيفة في الأساس، أو تم تزييفها نتيجة لتراكم كل تلك الأفعال. لماذا يجب أن نتحدث عن المزيف في العمل الفني أي كان نوعه أو من يقدمه؟ لأنها مسؤولية الحفاظ على ذائقة شعب ووطن، لأن الفن هو المشترك الأسمى الذي يجمعنا ويحفظنا في الذاكرة للأجيال المقبلة، ولأن الفن وخصوصيتنا هي من تميزنا عن غيرنا من الشعوب، في وقت تزحف العولمة وخاصة الثقافية لتذوب الهويات القومية، لصالح نموذج ما، لذلك يجب الدفاع عن الفن الجيد كي لا يقصى الفنان الجيد لصالح من يجيدون لعبة السوق والأرقام دون اعتبار لأي قيمة أخرى غير قيمة الكسب والمنفعة الشخصية، وكي لا يكون الفن الجيد والسيئ على السواء في التقييم، فنحن شعب ننتمي لحضارة عريقة ونستحق من فنانينا الأفضل، ونستحق أن يقدموا إضافة على ذائقتنا وفهمنا لتأكيد خصوصيتنا، لا أن يسهموا بتقديم  السيئ إلينا على اعتبار أنه الجيد، وهذا ينسحب على المشتغلين بالنقد لدينا، فبعض الأسماء التي تعتبر (كبيرة) لا تقوم بالأفضل أو على الأقل لا تقوم بدورها، إن لم نقل غير ذلك، هل أجبت؟

وأذكر ما قالته يوماً إحدى المذيعات ببرنامج الأغاني الذي كانت تقدمه، بعد أن أسمعتنا أغنية هابطة حسب توصيفها، صحيح أغنية هابطة، لكننا استمتعنا بها! هل يجب علينا في سورية بلد الحضارة والحرف أن ُيفرض علينا الاستمتاع بالهابط والمزيف، هذا رهن بمحبي سورية، فهل يجب أن يربح المزيف على الدوام!”.

أكسم طلاع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *