انتصار مكلف.. ولكنه محرض ومحفز!!

تتوزع أغلب التحليلات والنقاشات حول مستقبل الأوضاع في سورية على مسارين متعارضين يعكسان، في العمق، الخلاصات السياسية والاستراتيجية، الواقعية والمتوهمة، لمختلف الأطراف التي شاركت أو تورطت في الحرب. وإذا كانت أساليب الحرب الناعمة قد مكّنت، إلى حد ما، من استهداف بنية المجتمع السوري وضعضعة شيء من مقدساته وتلويث بعض قيمه المشتركة، فإن أساليب الحرب الهجينة، ومحاولات إضفاء قشرة المعارضة على جحافل المرتزقة، والتكفيريين، والإرهابيين الدوليين، وعتاة المجرمين، والخارجين على القانون، مكّنت، بدورها، تحالف العدوان من اللعب بأوراق ابتزاز ومساومة ليس أولها ملف “قانون قيصر”، أو ملف عودة اللاجئين، ولن يكون آخرها “المساعدة” في عملية إعادة الإعمار، أو ما يوصف بإعادة “تطبيع”، أو “تأهيل” النظام في المجتمع الدولي، أو “إعادة الدمج في الحظيرة الإقليمية”.

ولكن، ورغم أن كل السوريين يستيقظون يومياً على هول الخسائر والفظائع المتسلسلة التي خلفتها عشر سنوات من الحرب بالوكالة فوق ارضهم، ويعرفون تماماً أن النزوع الإجرامي الغربي الأطلسي انتقل من استهداف سبل عيشهم إلى تدمير مقومات وجودهم نفسها، إلا إنهم على يقين كامل، أيضاً، بأن المؤامرة إنما سقطت لأنها لم تستطع، في المحصلة الأخيرة، اختراق مناعتهم الوطنية واستعدادهم للمقاومة والتضحية وتأهبهم للرفض، كأساس لرأسمال رمزي متجذر في صلب ثقافتهم الجماعية وتاريخهم وامتدادهم الحضاري. وهنا، فإن أي محاولة لاستشراف تطورات الوضع في سورية والمنطقة استناداً إلى مقاربة “ستاتيكية”، سكونية، وكأن ما بعد الحرب سيكون مجرد امتداد لما قبلها، أو أن قواعد اللعب ليست بحاجة لأن تتغير، أو أن بوسع الجميع العودة إلى المربع ذاته، كأقصى ما يمكن التعامل معه، ستسجل مسبقاً كإخفاق لا داعي له، ومحاولة فاشلة وغير مقبولة للعودة إلى وضع مأزوم سلفاً، انطلاقاً من حقيقة أنه من الضروري تجاوز الوضع، والخروج من شرنقة الحرب وتداعياتها، ولكن من الخطأ إشاحة النظر، والتصرف وكأن شيئاً لم يحدث؛ فمن خاض المواجهة انطلاقاً من وعي سياسي ووطني محدد، وتمكن أخيراً من إجبار خصومه على الاعتراف بنصره، لا بد له من الاستمرار بتطوير خياراته نفسها؛ وطالما أن مقتضيات الانتصار تتطلب تحويل الحرب إلى فرصة فإن من الضروري، والبدهي، العمل على المضي بدورتها إلى النقطة التي تستحيل فيها إلى دافع ومحفز إيجابيين، على الأقل من خلال العوددة بالعلاقات السياسية والاستراتيجية العربية والإقليمية إلى نقطة تعادل، أو توازن، جديدة؛ كأن تلغى، مثلاً، كل التداعيات المشؤومة لـ “الربيع العربي”، بما في ذلك اتفاقات أبراهام، مقابل فتح النقاش حول طبيعة العلاقات العربية مع مختلف دول الجوار الإقليمي؛ فما هو مطلوب ليس التطبيع مع سورية، أو “نظامها” السياسي، بل التطبيع الكامل للعلاقات العربية العربية، واستعادة العنصر العربي مكانته الطبيعية فوق أرضه وترابه الوطني والقومي، كأمر حيوي وضروري لتحقيق الاستقرار والنمو في الشرق الأوسط الكبير، وفي العالم كله؛ وإلا فانتظار “ربيع آخر”، حقيقي هذه المرة، وبما ينسجم مع روح ووقائع ومستجدات المرحلة، حيث مشهد الأزمات التي تعصف بمن خطط وسهل ومول وساند العدوان على سورية طيلة عقد كامل.

في هذا السياق، يغدو الحديث عن شروط أو إملاءات أشبه بالسخرية، فليس لأية جهة أن تجادل أو تشكك في حقيقة أن أي تقارب مع سورية بمثابة انتصار لها. وعلى العكس، فإن الرسالة من أي تقارب تتمثل في التخفبف من وقع وأعباء الهزيمة، القائمة أو المرتقبة، للأطراف المضادة. وسيكون من المهم، في السياق نفسه، ملاحظة أن براغماتية البيت الأبيض جعلته يدرك أن العقوبات على سورية تجازف بانهيارات اقتصادية ليس في المناطق الخاضعة لسيطرة زبانيته من الانفصاليين والإرهابيين وحسب، بل وفي جميع دول المنطقة دون استثناء، بما في ذلك تركيا، فكان غض الطرف أو الإعفاءات الشفوية مما يسمى “قانون قيصر”.. وهكذا، أصبحت السياسة الأمريكية نفسها مصدر المزيد من التوترات بينها وبين الحلفاء أنفسهم، في وقت لم تظهر البراغماتية “البايدنية” حتى الآن إلا محدوديتها وعدم قابليتها للاستمرار كسياسة متماسكة.

ومع ذلك، لا يستطيع أحدهم الادعاء بأنه على علم بما سيحدث، وكيف سيتم تظهير العلاقات المعاد تنظيمها على الصعيد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وقد تكون هناك تداعيات خطيرة وقاسية، ولكن سورية اجتازت النفق، وهي مسلحة بانتصار.. صحيح أنه مكلف، ولكنه محرض ومحفز!!

بسام هاشم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *