وهذا الزمن

عبد الكريم النّاعم 

دخل صديقي، وجلسْنا صامتين، وأحياناً لا تجد مناصاً من الصمت، إمّا لأنّ الأعماق مُصطخبة، وإمّا لأنّك لا تجد خياراً آخر أفضل.. رغم أنّ الأنس بمن نحبّ قد يُغني عن الكلام. بعد فترة طالت قليلاً قال: “وجهك جامد، ما يكاد ينمّ عن معنى، بل هو أقرب إلى الجمود، هل من جديد”؟.

قلت: “نحن في حوار دائم، إمّا مع أنفسنا، أو مع الآخر، حتى ونحن صامتون، ولا أكتمك أنّني في أوقات تمرّ أشعر أنّي في لحظة جمود كما تفضّلت، وربّما كان ذلك بسبب مواجهة الخارج”.

قال: “أأنت تقول ذلك”؟!!

قلت: “نعم، حين تصطخب الأعماق بشدّة، لا تبلغ الاقتلاع، ولا تقبل الهدوء، أكون هكذا”.

قال: “لا بدّ من أسباب”.

قلت: “ومتى فُقدت هذه الأسباب في اليقظة أو في المنام؟! ألسنا أبناء اللحظة، وأبناء الواقع الذي نتحرّك فيه؟”.

قال بما يُشبه الاحتجاج: “أكاد أقول إني شبه مُفاجأ”..

قلت: “لا تستغرب يا صديقي، نحن جميعاً نمرّ بلحظات قوّة، ولحظات ضعف، وأحياناً لا إلى هذه ولا إلى تلك، فنبدو أقرب إلى الجمود الباهت، فيتوقّف التفكير في الأشياء، وهي حاضرة في العمق بكلّيتها، وليست حالات الضعف عيباً، بل هي حالة إنسانية مرّ بها الأنبياء والمرسلون، أولا تتذكّر ذلك النّداء الرّبّاني الذي أطلقه الرسول الأعظم (ص): “يا ربّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقِلّة حيلتي”.. إلخ، وهو عائد من الطائف، وقد دعا أهلها إلى الدين الجديد، فرفضوه، وأغروا به الصبيان فرجموه بالحجارة حتى دميتْ قدماه.. هل كان في شكّ ممّا هو عليه حين أطلق ذلك الدعاء الحارّ؟!! أبداً، لقد كان ينطوي على ما هو أرسخ من الجبال، ولكنّ الألم البشريّ لا بدّ له من متنفَّس”.

قاطعني: “هل ثمّة شيء مُحدَّد”؟.

قلت: “لا شيء محدَّد بل هو كُلٌّ يكاد يصعب على التحديد، لقساوته، وشدّة إظلامه، وهو ما نواجهه يوميّاً، حتى صار كالهواء الذي نتنفّسه، الكذب، الرشوة، النّهب، الفساد الذي عمّ وطمّ، أنواع الموبقات التي فقستْ وفرّخت في هذا الوسط.. هذا كلّه مضافاً إليه ما تواجهه المنطقة بتفصيلاته، وبالأخبار المتتالية من كلّ مكان، والتي ما يكاد يجد فيها الذهن مُنفرَجاً ليستريح إليه، حتى لكأنّ السماء قبّة صُبَّت من رصاص”.

قاطعني: “أُعيد طرح سؤال طرحْتُه قبل هذه المرّة، هل هو اليأس”؟!!.

تنهّدت قليلاً وقلت: “لا، أبداً، ليس يأساً، ولا أدعو إلى اليأس، اليأس موت، اليأس انتحار، اليأس انسحاب من المعركة وهي في أشدّ حالاتها إلينا، اليأس استسلام لعدو لا يرحم، بل هي دعوة لمزيد من التبصّر، والمراجعة الواعية، وذلك عبر كيف يكون الخروج”.

قال: “هل تظنّ أنّ الذين أوقدوا تلك النيران، وزرعوا بذرة القهر، والخراب، والحاجة سيتركوننا نفعل ذلك”؟!.

قلت: “متى تأمّل عاقل من عدو خيراً، أو من لصّ ألا يسرق بيته؟ العدو الذي لم تُفصح عنه ما زال موجوداً، بل ويزداد شراسة، والفاسدون لن يتوقفوا عن ارتكاباتهم، ورغم ذلك فأنا أراهن على الزمن الآتي، على الزمن الذي ينهض فيه الفينيق من رماده، وهذا ليس خيالاً، فقد مرّت على هذه البلاد بما نعرفه من حروب ودمار، ووصل الوضع الاجتماعي إلى أسوأ ممّا نحن عليه، فكم قرأنا عن أكل الفطائس، وعن الموت جوعاً، وعن فتّك الأمراض المرافقة، وعن انتشار الجثث في الشوارع، حتى ظنّ من عاش تلك الفترات أن لا أمل، ولا خلاص، فكان أنّ روح هذه الأمّة قد نفضتْ ما كان، ووقفت من جديد..”.

aaalnaem@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *