ضحايا في مرمى الابتزاز الإلكتروني

فتح هاتفه الخلوي بعد عناء يوم طويل، وعراك مع العملاء، وتصفّح جديد المنشورات والرسائل، وإذ برسالة من مجهولة تطلب التعرف إليه، وأن يقبل طلب صداقتها، ففتح صفحتها الشخصية ليرى آخر منشوراتها، ومعلوماتها، ومن أصدقاؤها، من مبدأ “قل لي من تصاحب أقل لك من أنت”، ظناً منه أن هذه “الإجراءات الاحترازية” التي قرأ عنها على صفحات الهواة ستحميه من قرصنة حسابه، الذي يستخدمه للتواصل مع العملاء والأصحاب.

قبل طلب الصداقة بصدر رحب، وردّ عليها سلامها، وأخذ يتواصل معها يوماً تلو يوم، واتخذ من مكتبه المنزلي ملاذاً آمناً من رقابة زوجته “الشكاكة”، متذرعاً بانشغاله بأعمال للتهرب من أنظارها، ومع الأيام زاد شغفه بها، فقد أعادت إلى نفسه الإحساس بالصبا، وملأت عروقه بصبابة الحب.

دعته إلى أن يراسلها عبر تطبيق اتصال مرئي، فسارع إلى تحميله من الإنترنت، وفتحه متلهفاً ليراها مباشرة، فصدقت ظنونه، وسحره جمالها. وظلت تتواصل معه مراسلة، بحجة أن ذويها في المنزل وتخشى أن يسمعوها.

وبعد مدة، فاجأه طلب منها.. فلم يتوانَ عن فعل ذلك، دون أن يدري أنه وقع بشباك مبتز محترف، صوّره وهو يتعرى. ولم يمض وقت طويل حتى فوجئ برسالة من المبتز تعرض الفيديوهات جميعها، وتهدّده بإرسالها إلى زوجته في حال لم يدفع مبلغاً مالياً كبيراً.

ربما سمعت بقصص مشابهة كثيراً، ولم تلق لها بالاً، لكن الأمر أهول مما تتخيل، إذ إن كثيرين يقعون فريسة للمبتزين في العالم، ومعظمهم من الأطفال والنساء، فيمسون ضحية لاستغلال جنسي أو مالي أو غيره من أنواع الابتزاز.

ولما يحمله هذا الأمر من خطورة شديدة، نظم الاتحاد العالمي لوسائل الإعلام الإلكترونية، بالتعاون مع المركز الثقافي العربي في دمشق (أبو رمانة)، محاضرة بعنوان “الابتزاز الإلكتروني”، ألقاها الأستاذ الصحفي علي الأبرص.

عرض الأبرص خلال المحاضرة تجارب عديدة خاضها ضحايا الابتزاز شبيهة بالقصة السابقة، مشيراً إلى غياب ثقافة الإبلاغ عن الابتزاز للجهة المختصة، خاصة بين الأطفال والمراهقين، مع التأكيد أن إبلاغ فرع مكافحة جرائم المعلوماتية هو الطريق الأنجع لإيجاد المبتز وإلقاء القبض عليه.

وانطلق الأبرص من تعريف الابتزاز بأنه محاولة تحصيل مكاسب مادية أو معنوية من شخص أو أشخاص بالإكراه والتهديد بفضح سرّ من وقع عليه الابتزاز، وذكر بضعاً من الأسباب المؤدية للوقوع ضحية للمبتز، من بينها الجهل بالحفاظ على الأمان الإلكتروني، والفراغ والحرمان من المودة والحب، وحب التجربة وتقليد الأصدقاء، وعدم مراقبة الأبناء والاهتمام بهم، والخوف من طلب المساعدة من الآخرين، والثقة بالآخرين بشكل سريع، وما إلى ذلك.

ومن المعلومات المريعة التي ذكرها أن شركة فيسبوك أعلنت عن إلغاء أكثر من ثلاثة مليارات حساب وهمي خلال الفترة من تشرين الأول وحتى آذار من عام 2020، وهناك أكثر من ملياري حساب نشط، وهذا الرقم هائل جداً ومقلق، وخاصة مع ذكر أن ستين بالمئة من الحسابات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي هي حسابات وهمية، وأن خمسة وثلاثين بالمئة من مستخدمي الإنترنت متخفون بأسماء وهمية.

وعدّد الأبرص أشهر أساليب الاختراق، بادئاً بالاصطياد الإلكتروني، وهو استغلال وسائل تقنية المعلومات لمحاولة خداع الضحية للكشف عن معلومات سرية. ومن أمثلته: استغلال الشائعات والمواضيع الساخنة والأخبار العاجلة، والوعود البراقة عبر تطبيقات مزورة تعد بكشف عدد زوار البروفايل وغيرها من الوعود الكاذبة، والهدايا والجوائز المجانية، وغيرها.

ثانياً، انتحال الشخصية، حيث ينتحل المبتز شخصية أحد معارف الضحية، أو شخصية أخرى، لاستجرارها إلى زلة أو هفوة وعلى الأرجح سيتطور الأمر إلى أكثر من ذلك.

ثالثاً، الهندسة الاجتماعية، حيث يعتمد منفذو هذا الأسلوب على معلومات يجمعونها عن الضحية من خلال مراقبة نشاطهم على الانترنت أو حركة بياناتهم عليها أو على هواتفهم (كالمواقع التي يتصفحونها أو الرسائل التي يرسلونها)، فتمكن هذه المعلومات المهاجم من التحايل على الضحية وكسب ثقتها ثم توريطها فابتزازها.

لعلّ أهم ما ورد في المحاضرة هي النصائح التي ذكرها الأبرص ليحافظ المرء على أمن أجهزته الإلكترونية وملفاته وحساباته إلى حدّ كبير نوعاً ما، منها: تنزيل برامج مكافحة الفيروسات غير المجانية، والحرص على تحديثها وفحص الجهاز بشكل دوري، عدم الاتصال بالشبكات اللاسلكية العامة، خاصة المجانية منها، التأكد من مصدر أي رابط وتهجئته قبل فتحه، عدم الاشتراك بالتطبيقات التي تتوقع عنك شيئاً، حماية الأجهزة الإلكترونية بكلمة سر قوية.

هذه بعض من النصائح التي ذكرها الأبرص، لكن ختاماً، تبقى الإشارة إلى أنك إن وقعت ضحية لمبتز، فأهم شيء ألا تخضع له حتى لو كان التهديد بالفضيحة أمام عائلتك، فهذا أفضل من الانجرار لعملية الابتزاز والدخول في تفاصيل وعواقب لا حصر لها، إلى جانب قطع التواصل مع المبتز مباشرة ونهائياً، وإبلاغ قوى الأمن الداخلي دون التلميح للمبتز عن رغبتك في الإبلاغ.

علاء العطار 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى