أنت لم تتقاعد

عبد الكريم النّاعم

شعرتُ بحاجة ماسّة لزيارة ذلك الشيخ الجليل، هو شيخ من حيث عدد السنوات، وليس فيه غيرها من صفة “الشيوخ”، فبعض النّاس حين تجالسهم لديهم من الطاقة الايجابيّة ما يجعلك تشعر، حين تُغادر المكان، أن ثمّة شيئاً قد تولّد في داخلك، فيه الكثير من راحة القلب، وتتمنّى لو تدوم تلك الحالة، وبعض هؤلاء لا يحمل أيّة شهادة، هو شيء في تكوينهم، لا تعرف كيف وصلهم.

حين أدخلني إلى غرفته الأنيسة ببساطتها، وبساطة فرْشها، وجدتُ شخصاً آخر، ولعلّه ارتبك في داخله كما ارتبكت في داخلي، فقد كنتُ أتمنى لو كان الشيخ وحده، بعد فترة صمت قصيرة قال الشيخ لزائره، بعد أن ذكر اسميْنا للتعارف: “تابع يا عزيزي وكأنّ أحداً لم يجئ، وأنت، وأشار إليّ اعتبر أنْ لا أحد يثالثنا، وإلاّ حدث ارتباك في الداخل، فكلاكما صديق غالٍ عندي”.

أجابه فيما يشبه الاعتذار المُبطّن: “نسيت أين كنّا”..

قال الشيخ: “كنتّ تشكو من رتابة الأيام وقسوتها، وأنّك متقاعد من الوظيفة منذ أكثر من ربع قرن، وأنّك كنتَ مستقيماً في كلّ ما يتعلّق بوظيفتك، لم ترتشِ، ولم تؤخّر معاملة مواطن، وأنّ الحرام لم يعرف طريق بيتك، وأنت الآن تشعر بحالة من الضيق، والسأم، هل تسمح لي بتوجيه بعض الاستفسارات”؟

قال: “تفضّل”..

قال: “صفْ لي باختصار يوماً من أيامك”.

بدا النشاط على الضيف في إجابته وقال: “أستيقظ في الفجر على الساعة (…)، فأصلّي الفجر، وأقرأ عدداً من صفحات القرآن الكريم، وأعود للفراش، لأنهض حوالي التاسعة، فأقرأ في أحد الكتب، وعلى الساعة الحادية عشرة ظهراً تشتهي نفسي أن أدخّن سيكارة، فأفعل، وأفتح كتاباً أقرأ فيه، وبعد الغداء أغتنم فرصة القيلولة، وأنهض عصراً، وفي هذه الأيام بسبب قلّة الكهرباء قليلاً ما أستطيع متابعة التلفزيون، وأنا غالباً لا أتابع إلاّ الأخبار، أو ما كان في مضمونه شيء لافت، وأنا لا أسهر طويلاً فإني آوي إلى الفراش على الساعة الثامنة والنصف أو التّاسعة”.

ابتسم الشيخ ابتسامة ودودة مُشرقة، وقال له: “مَن قال إنّك قد تقاعدتَ من الوظيفة، أنت ما زلت على رأس عملك”.

بدا الاستغراب على وجه الضيف وقال: “لم أفهم”..

قال له: “يا صديقي أنت ما زلت تُبرمج أمورك بدقّة الموظّف النّزيه الجادّ في عمله، والأمانة محمودة، بل ومطلوبة، ولسنا بصدد هذا، ولكنّك نقلت هذا كلّه معك إلى الحياة الجديدة، حياة التقاعد، حتى أصبحتَ تؤدّي كلّ شيء بآليّة مُتقنة، وهذا يليق بـ”الروبوت” لا بالروح الإنسانيّة، نحن بشر ولنا أحوالنا الخاصّة، نتألّم لما حولنا، وننقبض من المجريات العاتمة، وما أكثرها هذه الأيام، ولا نستطيع الانفصال عمّا حولنا، وإلاّ نكون قد فقدنا إنسانيتنا، ومع هذا فلا بدّ من تبديل بعض الأشياء، ألم تلاحظ أنّ بعض سيدات البيوت يغيّرن بين فترة وأخرى ترتيب الأثاث لإشاعة شيء من التجديد،؟ أنظر إلى الينابيع، إنّ سرّ جمالها في أنّها تروي الأشجار، والزروع، وتُحيي المَوات، تفعل ذلك وهي تتدفّق، ولو توقّفت على حالة واحدة لتأسّنت، ولَفقدتْ اسمها، غيّر بعض الإجراءات فقد تكون مفيدة، بل هي مفيدة بالتأكيد، إنّ الرّتابة علامة من علامات الجمود، الكون كلّه هذا الذي يبدو رتيباً ليس على ما يظنّه النّاس، إنه حيّ، نابض، فعّال وإنْ بدا في ظاهره ساكناً، من الذرّة حتى المجرّة كما يقولون، فغيِّرْ بعض هذه الرتابة”.

بدا الارتياح على وجه الضيف، وقام وودّعنا، وبعد خروجه التفت إليّ وأراد أن يتكلّم، فقلت له: “أنا اكتفيت بما سمعت…”.

aaalnaem@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى