ثقافةصحيفة البعث

أيمن الحسن مهندس الرواية ضيف جلسة “إصدار”

لم يكن مهندساً في وزارة الإسكان فقط، إذ أصبح مهندس الرواية معتمداً على التنظيم والبحث عن أدقّ التفاصيل في الهيكل الروائي، مجسّداً الصورة المشهدية وموّظفاً الأغنية العربية وموثقاً المكان والأحداث السياسية، التي مرّت بها الأمة العربية من خلال حكايات شخصياته الكثيرة والاتكاء على السيرة الذاتية.

أيمن الحسن كان ضيف جلسة إصدار في المركز الثقافي في -كفرسوسة- وقد ركز الإعلامي ملهم الصالح في حواره معه على روايتيه “أبعد من نهار.. دفاتر الزفتية” الصادرة عن اتحاد الكتّاب العرب عام 2011 و”في حضرة باب الجابية.. طفل البسطة” الصادرة عن وزارة الثقافة – الهيئة العامة السورية للكتاب – عام 2018 بقراءة عميقة.

بدأ الصالح حواره من نقطة البداية من غلاف روايته “أبعد من نهار.. دفاتر الزفتية” و”في حضرة باب الجابية.. طفل البسطة”، إلى سؤاله عن العناوين المركبة؟.

إن الكاتب مثل الشاعر يبحث عن عنوان يحمل شيئاً من الغموض، وأصعب شيء بالنسبة إليه هو اختيار العنوان من مجموعة عناوين، كونه العتبة الأولى التي تشدّ القارئ.

ثم حلّل عنوان روايته العائد إلى نهار تحرير القنيطرة ورفع القائد الخالد حافظ الأسد العلم السوري في سماء القنيطرة، أما “أبعد من نهار” فهو ما انتهى إليه بطل الرواية حينما يطير العلم السوري ويتجاوز الأسلاك الشائكة نحو فلسطين إيماءة إلى تحرير فلسطين وكامل أراضي الجولان والأراضي المحتلة.

“دفاتر الزفتية” هي التي “لمّت غربتي”، إذ أجبرت الأوضاع الحياتية والدي على مغادرة القرية بعد إصابته بالخدمة في زمن الانفصال وبترت ساقه، ليأتي ويعمل في دمشق، فأنا القادم من قرية العمارنة في جرابلس محافظة حلب عشت الغربة مع النازحين من الجولان فتوحّدت مشاعري معهم بانتظار حلم العودة، وأحسست معهم بمعنى الانتماء إلى بلدتك التي تصبح جزءاً من روحك.

ومن العنوان إلى الإهداء “إلى أبي الذي قاساني” ليتوقف الصالح عند معاناة أيمن الحسن في طفولته، لكنها لم تجعل منه رجلاً قاسياً، وإنما أكسبته الجانب الإيجابي الذي انعكس بنبله وبعده عن المشاحنات.

البناء الهندسي والعتبات 

في البنية الروائية، توقف الصالح عند اعتماد الحسن على عتبات، إذ لا يبدأ من النص الروائي، فمن العنوان إلى الإهداء إلى ملحوظة ثم تنويه للمتلقي فتوطئة، فتعرّف القارئ إلى أية أرض سيدخل من خلال عتبات خارج النص الروائي، كما قسمت الرواية إلى ثلاثة دفاتر”أيام جولانية- يوميات الزفتية– مازال اسمها القنيطرة” لكنني لم أجد مسوغاً للانتقال من دفتر إلى آخر، فما تفسيرك؟

البعض يأخذ عليّ كثرة العتبات، ربما دراستي الهندسة المدنية جعلتني أهتم بالتفاصيل والامتداد لمساحة أكبر، أما مفردة أيام فتختلف عن يوميات، فالأيام ثابتة عاشها السوريون في الجولان وشكّلوا حياة متكاملة، بينما اليوميات هي مذكرات يومية يمكن أن تنسى، أما مازال اسمها القنيطرة فهي عن حرب تشرين وتحرير القنيطرة، وأردت معارضة المخرج محمد ملص في بعض أفلامه بأن البلاد ستعود كاملة إلى أصحابها.

التقطيع والمونتاج

وتابع الصالح بسؤاله عن تقنية التقطيع السريع في الرواية، وإيقاع السيناريو؟..

ورشات السيناريو أفادتني بتركيب الصورة المشهدية التي لا توجد فقط بالفيلم وإنما بالقصة والرواية أيضاً، فتجعل الصورة متحركة فيها نبض وحياة، وأرى أن هناك تقاطعاً بين الفيلم والقصة، فمنذ الدقائق الأولى يدرك المشاهد أنه سيتابع الفيلم أولاً وكذلك القصة أو الرواية، أنا أشتغل بتقنية المونتاج والحذف لأنني أؤمن بأن القارئ يجب أن يستنبط ما بين السطور.

الأغنية والخطوط والزمن

تقنية مشاكسة الزمن كانت ضمن الحوار بابتعاد الحسن عن التسلسل المنطقي للزمن بتصاعد الأحداث، فيبدأ من المنتصف أو الخطف خلفاً وهذه تقنيات تشبه العمل السينمائي، أيضاً توظيف الأغنية داخل المتن الروائي وربطها بالحالة الوطنية والحالة النفسية التي تعيشها الشخصيات، وتوظيف أنواع الخط وألوانه، فما تعليقك؟..

فنية الكتابة هي لعب لكن ليس لعباً دون قواعد، فالمونولوج الداخلي يجب أن يكتب بخط غامق لأنه أعمق من الحوار، وكذلك كلمات الأغنيات تأخذ حيزاً خاصاً بالصفحة. ليصل الصالح إلى تركيزه على الساحة بالمكان وغياب الحيوان، فعقب الحسن بأن الساحة مركز يتسع لعدد من شخصياته، وفي هذه الرواية وثّق المكان الزفتية – منازل الخشش اللبنية- التي ضمّت النازحين من الجولان بانكساراتهم وحلمهم بالعودة، ولم تعد الزفتية موجودة اليوم لكن الحلم باستعادة كامل أراضي الجولان مازال حيّاً داخل كل فرد.

توثيق وسرد

ومن الرواية الأولى إلى الرواية الثانية “في حضرة باب الجابية.. طفل البسطة”، استعرض الصالح تطور التجربة الروائية ابتداء من الغلاف الذي صمّمه أيمن الحسن، إلى تقسيم الرواية إلى بابين، الأول: سيرهم المأثورة ويقسم إلى عدة فصول منها: الخواجة – أفلاطون الفرنسي، والباب الثاني: مآل أخير ومن فصوله: أعشاش ضوء بائد، إلا أن آلية التقسيم ليست واضحة فتظهر الشخصيات من الباب الأول إلى الثاني مثل صداح وضبع الليل.

ليصل الصالح إلى انعطاف بالزمن، فالرواية الأولى كانت في زمن حرب تشرين، بينما الرواية الثانية تبدأ من زمن النكسة وحرب 67، وهذا يعود إلى تقنية الاسترجاع على غرار بعض أفلام هوليود مثل العرّاب والجزء الثاني من مسلسل الهيبة.

كما أشار إلى  دور المذياع والمقهى في الرواية والتطرق إلى بعض عادات القرية بزواج البدائل، وتداخل القطع السريع والانتقالات مع تنبيه القارئ بشارة القطع من خلال ثلاث نقاط، وتقنية المونتاج، وأغنيات فريد الأطرش خاصة، والأمر الهام حضور القضية الفلسطينية، وتوصيف المكان لباب الجابية وحكاية “طفل البسطة”، ينزوي طفل البسطة في ركن بعيد، ليفتح دفتره، ثم يخرج قلم الحبر من جيبه، يتأمل الوجوه حواليه، ثم يأخذ في الكتابة.

تساؤلات عدة طرحها الصالح، منها حضور الطفل في الرواية، فأكد الحسن على أهمية وجود الطفل ولاسيما بعد معاناة الأطفال بالحرب، وعن الواقعية السحرية فالواقع -كما ذكر الحسن- يحمل من السحر أكثر من السحر نفسه، وعن دور عنصر التشويق والمتعة حتى ضمن نطاق التوثيق.

السيناريو والدراما

وبقيت تساؤلات الصالح لماذا لا تدخل أعمال أيمن الحسن الدراما؟ ولماذا لا يكتب سيناريو؟ ولماذا لم يحصل على جوائز أكثر؟ موضع تساؤل؟؟..

أخيراً.. أجاب الحسن الذي أتقن لعبة السرد عن دوره في مشروع دعم الشباب بمجال الكتابة لإيمانه بأن جيلاً آخر سيأتي ونحن جسر تواصل بيننا وبينهم.

ملده شويكاني