نَدْب الميت

عبد الكريم النّاعم 

قال له صديقه: هل تعرف أنّ العديد من جلساتنا، إنْ لم يكن كلّها، يغلب عليه القول “أين كنّا وأين صرنا!!”، وربّما استعرض البعض كيف كان وضع الكهرباء، والتعليم، والغاز، والخبز إلى ما لا ينتهي من مفردات الهموم الكثيرة، ويتحسّرون على تلك الأيام، ويقولون بأسى وحنين: تُرى هل تعود تلك الأيام؟!!”.

أجابه: نعم أعرف الكثير ممّا يجري، وإنْ كنتُ لا أشارك في جلساته لأسباب خاصّة جداً، فأنا ما زلتّ أحمل قلبي، ومشاعري، وأحلامي، رغم كلّ الانكسارات، وكما كرّرت في حوارات سابقة “لا أريد أن أيأس ، ولا أدعو إلى اليأس”، وهذا الكلام لا يعني أنّني سعيد بالضرورة، ففي أعماقي من الألم ما لا يعلمه إلاّ الله.

ما ذكرتَه يا صديقي يشبه النّدب على الميت، تُرى ما ذا يفيد النّدب؟ وأذكر بهذه المناسبة بيتاً من الشعر لشاعر لا أذكر اسمه يقول:

وَلَوْ أنّ البُكا يُحيي فقيداً  لَكانت أحيتِ الخنساءُ صخرا

إنّ النّدب على الميت، وهو كما تعرف مكروه دينيّاً، لا يفيد الميت في شيء، بل كما ذُكر في بعض الآثار يؤذي الميت، ويزيد في ألمه، بل كما هو معروف أيضا أنّ إكرام الميت دفْنه.

إنّ مجرّد القول لو أنّ ما مضى ظلّ كما كان دون أن يشوبه شائب، هو مُناقض لطبيعة الحياة التي لا تتوقّف عن الحركة، والتطوّر باتّجاه ما، قد يكون تطوّراً صاعداً، وقد يكون هابطاً، ذلك هو منطق السيرورة والصيرورة.

قاطعه: هل أفهم من كلامك أنّك راضٍ بما هو قائم الآن؟!!

أجابه: لا تدفعني للشكّ بأنّك تجهلني بعد هذا العمر المديد.. الذي أعنيه ضمناً، والذي كنتُ سأفصح عنه، لا بدّ من التفكير الجديّ بكيفيّة الخروج من دوائر الفلتان، والرشوة، والفساد والإفساد، وانتشار الجريمة، وكلّها من مفرزات ذلك الحريق الإخونجي الداعشي، بل هو يكاد يكون علامة في النّكبات المشابهة، إذ لا يظهر أبشع ما لدى الانسان من وحشيّة فحسب، بل قد يُضيف إليها إضافات شريرة لا تخطر على بال إبليس ذاته.

قاطعه: سامحني، هل نحن في حالة ميؤوس منها؟

أجابه: أنا لم أقل ذلك، وما من حالة ميؤوس منها إلاّ الموت – كما قلت لك – ونحن لم نصل إلى ذلك القاع، فثمّة الكثير من المؤشّرات الدّالة على أنّنا أحياء، منها حتى هذه السلبيات، وما ذكر النّاس لها إلاّ طلباً لاستئصال السيّئ، ونشر ما هو أحسن، وأكثر موافقة، وأنظف، ولا أريد أن أعدّد بعض المظاهر الواضحة، كي لا يُساء فهمها بأنّها تملّق، فنحن طرف فاعل في حلف المقاومة، وما أنجزته قواتنا المسلّحة، ودماء الشهداء هو الذي حفظ وحدة هذا البلد، وإلا كان من المقدّر له أن يتمزّق كلّ ممزَّق.

إنّ ما نحن بحاجة إليه مرحليّاً، كتمهيد لما هو أوسع وأعمق في الإنجاز، الإسراع في مكافحة أنواع الفساد الذي انتشر انتشار الوباء، وهذا دليل على أنّ بنياننا الاجتماعي كان يعاني من ضعف ما في التربية، وفي السلوك، فالجرثوم لا يرتع إلاّ في الأجسام الضعيفة، أمّا الاجسام القويّة فإنّها تتغلّب على الجرثوم، وهذا موضوع واسع يحتاج لمساحات أوسع.

المهمّة ليست بسيطة، بل معقّدة، ومركّبة، وتحتاج لاجتراح حلول بحجم الزلزال الذي أصاب هذه البلاد، وقد يكون صعباً، وتعترضه الكثير من العقبات، ولكنّه ليس مستحيلاً، بل هو أمر ممكن، فثمّة شعوب أُصيبت بكوارث مماثلة، واستطاعت القيام من بين الأنقاض، وشيّدت من جديد ما يعيد للإنسان كرامته، ويلبّي حاجياته، وإن كان ذلك يحتاج إلى زمن..

aaalnaem@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى