بعد تصدّرها عرش الانترنت.. المنصات الرقمية ضيف “خفيف الظل” في كل بيت وبأي وقت!

البعث الأسبوعية- ليندا تلي

حظيت المنصات الرقمية باهتمام الكثير من المتابعين والمعلنين خلال الآونة الأخيرة، إذ قرّبت الشعوب واختصرت المسافات وبات أي محتوى في كل بيت سواء كان سياسياً أو اقتصاديا أو اجتماعياً، أو فنياً، حيث يبث بطريقة لا تخلو من الجرأة والجاذبية للجمهور الذي بات يختار محتواه المفضّل دون فواصل إعلانية وفي أي وقت وزمان يناسبه وبكل خصوصية.

في القادم من سطور سنشير إلى الدراما والسينما كمثال على طغيان المنصات الرقمية في ظل هذا “الطوفان الإلكتروني” ما حفّز صنّاعها من استثمار هذا الكمّ لعرض أعمالهم على تلك المنصات، فهل سنشهد قريباً احتضار وسائل الإعلام التقليدية التي تعرض الأعمال الفنية بمختلف أنواعها وأشكالها بعد تلك الطفرات الرقمية، بمعنى هل ستسحب الوسائل الحديثة البساط من تحت الوسائل القديمة؟.

لا تلغي..ولكن؟

يؤكد الدكتور محمد الرفاعي (كلية الإعلام – جامعة دمشق) في حديثه لـ”البعث الأسبوعية” أنه ما من وسيلة ألغت أخرى، بل إن ظهور أي وسيلة يؤدي لانتعاش الوسائل الأخرى، ويمكن أن تجذب جزءاً من متابعيها، وخاصة من فئة الصغار، الذين ينجذبون لكل ما هو جديد، فالمنصات قدمت منتجات تشعر المتلقين بالإبهار حتى بدؤوا ينجذبون، وهذا الانجذاب باعتقاده سيكون مرحلياً مؤقتاً.

وبيّن الرفاعي أن دور الفضائيات وصالات السينما سيبقى ولكن يقال إنها ستصبح أكثر خصوصية، بمعنى أن يكون لها جمهور نوعي، أوقات محددة للمشاهدة، مواسم محددة تسمى ذروة المشاهدة أو الاستماع، بينما المنصات ستفرز الناس إلى جمهور أقل كثافة، حيث سنتعامل في المستقبل مع جمهور ليس بوصفه كتلة كبيرة بل أجزاء مبعثرة، وكل منصة أو قناة تلبي اهتمامات هذا الجمهور المبعثر، لذلك انتعشت الفضائيات المتخصصة وكذلك الأفلام المتخصصة.

غير ممكن؟

وعن قوننة المنصات وضبطها يؤكد الرفاعي أن هذا غير ممكن باعتبار بيئة الانترنت فردية أعطت مجال الحريات الواسع بالمفهوم الغربي أو بالمفهوم الأمريكي تحديداً القائم على فكرة الحريات المطلقة إلى حدّ ما،كالحريات الشخصية وحرية التعبير، وخاصة أنهم قطعوا أشواطاً في التعامل مع الأوضاع الاجتماعية بحسب البيئة الغربية، الأمريكية المنطلقة، أي البيئة الرأسمالية.

وترجع مهمة الإشراف على المنصات -وفق الرفاعي- إلى الشركات التي بدأت بوضع ضوابط أو ربوتات لمراقبة المحتوى، مضيفاً أن الموضوع اليوم منصرف باتجاه المحتوى المتطرف، علماً أن هذا لايخلو من علامات الاستفهام والاتهام لهذه الشركات بانحيازها لأطراف على حساب أخرى، ولكن عملية التطوير والمحتوى تكون طوعية، بحيث كل وسيلة تطور من إنتاجها من أجل مقابلة اهتمامات متابعيها، وبالتالي المحتوى يتطور بفعل عامل ذاتي رغبة باستقطاب المزيد من المتابعين عبر التفاعل الإيجابي الذي يشجع أو يسقط أو يسهم في تعديل المحتوى المنشور على هذه المنصات.

إيجابيات وسلبيات

ويؤكد الرفاعي أن الأعمال التي تقدّم على المنصات فيها الكثير من الإيجابيات، رغم وجود أعمال هابطة مخلّة بالآداب لها أيضاً من يتابعها، بل يجب الاعتراف بأنها وعلى الوجه الآخر قدّمت الكثير من الإسهامات، فاليوم نجد كل مجالات الحياة متاحة درامياً وفنياً بجهود أشخاص ليس بالضرورة أن يكونوا أبناء بلد واحد، أي بالنتيجة إيجابياتها أكثر بكثير من سلبياتها.

ويشدّد الرفاعي على ضرورة ألا نترك أطفالنا وشبابنا مندفعين لمتابعة منصات تخرج بهم عن المسار الطبيعي للحياة، كأن يصبحوا مدمني منصات غير أخلاقية أو مغرضة، رغم أن هناك برامج للمراقبة الأسرية، ولكنها لاتكفي بل يجب أن يكون كل شخص حريصاً على عائلته وتشجيعها على المنصات التي تقدّم الفائدة المرجوة، فالتعلم اليوم سيكون غالباً عبر المنصات، ليس فقط اللغات إنما في كثير من جوانب الحياة العلمية والعملية.

استسهال..

ويرى الرفاعي أن المنتجين أو مقدّمي المحتوى الرقمي يسعون لجذب الناس بأي وسيلة أو طريقة، فهم يلجؤون للاستسهال، وعلى سبيل المثال فتاة تقدم محتوى رقمياً بمجرد ظهورها شبه عارية تحقق الكثير من الإعجابات والمشاهدات، بينما تقدم فتاة محتوى متطوراً فكرياً ربما لاتحقق القدر نفسهمن التفاعلات، المشكلة هنا ليست بمن يقدّم المحتوى بل بمن يتفاعل مع هذا المحتوى، وبالتالي التركيز ينبغي أن يتمّ على النهوض بوعي المستهلكين وليس وعي المنتجين.

المحتوى الجيد

من جانبه يرى الناقد أحمد علي هلال أن العالم يعيش اليوم عصر الإعلام الإلكتروني بكل امتياز، موضحاً أن ذلك يأتي انطلاقاً مما حققه ا”الانفجار” المعرفي والذي لا يعني أبداً انحسار الوسائل القديمة أو اندثارها لتحلّ محلها الوسائط الجديدة الساعية لإنتاج محتوى يشمل كل صنوف الفن، بهدف أن يكون متلقيه غاية وهدفاً بآن معاً. ولكن البقاء للمحتوى الجيد بحسب هلال، والذي يكمن باحترام القيم المجتمعية، لأن التأثير هنا لاحدود له، فالمحتوى فرض على المتلقي نمطاً في التفكير والاستجابة والمقارنة وتلقي المعلومة بشكل أسرع.

ويضيف هلال: صورة الأعمال الدرامية مثلاً في فضاء هذه المنصات هي الأكثر دلالة من حيث نسب التلقي، ما يفرض على منتجيها الانتباه لزمن التلقي ونوعيته وتأثيره على المجتمع بشرائحه المختلفة، ولأن الكثير من المنصات الرقمية في العالم العربي، تسعى فقط لاستثمار التقنية بمضمونات شتى هدفها الترفيه فحسب، وهذا باعتقادنا لايحقق الشرط المعرفي، بمعنى نحتاج إلى الجودة والقيمة معاً.

دعمها.. لأنها؟

بدوره يرى الكاتب الدرامي مروان قاووق أن العالم بأسره تحوّل إلى الانترنت، حتى الجامعات مثلاً باتت الدراسة ونيل الشهادة العلمية فيها عبر الانترنت، والقنوات الفضائية غدت لها منصات لعرض برامجها، ومنها القنوات السورية المحلية والخاصة، لذلك لا بد من مواكبة التطور العالمي ودعم منصات اليوتيوب الخاصة والعامة، لأن معظم الناس في الغرب باتوا يهتمون بها أكثر من مشاهدتهم للقنوات الفضائية لمتابعة الأعمال الفنية وغيرها من البرامج.

كلها تجارية

ويؤكد قاووق أن للمنصات محاسن كثيرة ومساوئ قليلة، وخاصة في المحافظة على الوقت لأن العمل الفني موجود على المنصة ويستطيع الإنسان مشاهدته بأي وقت كان، وعليه الاختيار من الكمّ الهائل المعروض عليها، وربما تكون المنصة تعرض برامج مضرة للطفل وللمرأة وللرجل وعلينا مراقبتها بشكل جيد قبل عرضها.

ويرى قاووق أن أغلب المنصات تجارية لا يهمّها إلا المال والشهرة، وقليل منها يهتمّ بالأعمال التي تحمل القيم السامية، إلا المنصات الحكومية التي تهتم بتحسين السلوك وطرح مواضيع أخلاقية بعيدة عن المشكلات النفسية التي تواجه الشباب والبنات، وتهتم بمراقبة الطفل وسلوكه لأنه هو رجل المجتمع القادم إن كان صالحاً سيصلح المجتمع، وإن غير ذلك فسيكون المجتمع مهزوزاً أخلاقياً، كما أنها تخسر الكثير من المال ولها الشريحة المثقفة التي تتابع ما يطرح ولها خصوصية جميلة.

ونختم بأمنية للدكتور محمد الرفاعي ونؤكد عليها نظراً لأهميتها وهي تخصيص جائزة للمحتوى الرقمي الذي يقدّم موضوعات تعزز القيم المجتمعية، ولدعم المنتجين وصانعي المحتوى الذين يقدمون ما يشجع التقاليد وخاصة الراقية منها، فضلاً عن وجود مؤسّسة ثقافيه تتابع المحتوى وتجري تصويتاً واستبياناً عن أفضل محتوى مقدم عن سورية أو أي بلد عربي آخر، وهذا يساهم في رفع مستوى المنتج الدرامي أو الثقافي أو الفكري أو الفني الذي يبث عبر المنصات الرقمية المختلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى