الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

أحمد دحبور..!

حسن حميد

بلى، وكلما طلّ نيسان، هلَّ وجه أحمد دحبور الباسم المورق أبداً بالشعر، والمودات، واللطف، والرقة المعافاة.

ففي نيسان كان مولده الحيفاوي (1946)، وفي نيسان (2017) كان رحيله في رام الله التي عشقها واكتوى بجمالها، بعد أن ذوى جسده الوردي وانحنى، وبعد أن ملأ كراريسه برسائل العتب، والحزن، والأسئلة، والنداءات العالية، والفزع مما رأى وسمع، ومما ظنّ به، مضى وهو يردّد مثل غاب معتفر: قتلتني يا حزني الرحيم.

وبين الولادة في حيفا، والرحيل إلى لبنان ثم إلى سورية، وبين العودة إلى رام الله، رأى أحمد دحبور درب العودة الرّاهج مثل فضة سائلة، رآه بكل محطات التعب، والسهر الأليم، رآه شعراً عاند جاذبية الزمن الذي مال والتوى حتى بهت، ورآه غربةً في الأغوار قرب نهر الأردن المقدس، وهو يغني للبلاد الفلسطينية العزيزة (آتٍ.. وتسبقني يداي)، وهو يكتب أيضاً في جريدة فتح مودعاً شهداء العملية الفدائية الأخيرة قرب عيبال نابلس، فيقول لهم: ميراثكم، بدلات الفوتيك، والكوفيات، ورواتب الشهور الأخيرة، وعيدان الريحان التي وددتم زرعها فوق قبور أمهاتكم.. ستصل إلى مخيم اليرموك!.

أحمد دحبور عاش شبابه في قصيده مساهرةً، وعاش أحلامه وهو يحبّر سطورها بوقيدها الحارق، وذاع اسمه حين قرأنا أشعاره في المدارس فحفظناها كي نمتحن بها، ورهجت صورته وتجلّت في نفوسنا حين رأيناه يقرأ شعره مع معين بسيسو، ومحمود درويش، ونزار قباني، والجواهري، وأدونيس في مهرجان الشعر العربي في عام 1971 على مدرج جامعة دمشق! كنا، وعديدنا كثير، نحفظ قصائد ديوانه (حكاية الولد الفلسطيني)، الذي ألفناه أكثر من كتبنا المدرسية، فأتلفته أصابعنا لكثرة ما قلّبنا صفحاته!.

مبكراً، وعلى مقاعد المدرسة الثانوية، راحت قصائد أحمد دحبور تتصاعد مثل زقورات خرافية، ومبكراً غادر أحزان المخيم، في مدينة حمص، كي يمشي دربه نحو الأغوار والنهر المقدس، ونحو الصحيفة ودار النشر، لكي يعلي الصوت سائلاً: أما زالت فلسطين بعيدة؟ أما اقتربنا بعد! أطال الدرب إليها أم أنه يطول؟ وهل الرجاء معلق بفجر أم بليل أم بمكان أم بسحر لابد منه؟ ومبكراً، كما هي عادة الشعراء، رحل أحمد دحبور، وفي صدره الكثير من المواويل العزيزة، وفي قدميه خُطا لدروبٍ محلومة، وفي لهاته قولته الرّاجفة شوقاً: ما من فلسطيني يرحل إلا وهو شهيد الانتظار المرّ قبل العودة الظافرة!.

رحل أحمد دحبور مثلما ترحل أشجار الخروب الخرافية، تاركاً لنا قصيده بظلاله الطويلة المديدة، وبسيرته ذات الطعوم الآسرة.  كان بيننا الطّير الغريد الذي تخاطفته الأمكنة التي آخاها ووسمها بالشعر، والتي عاند جاذبيتها الثقيلة كي لا تصير بديلاً عن البلاد. أحبّ بيروت ودمشق والقاهرة وعمّان حين أفاء إليها، فوافاها بالمديح، وعانق غزة معانقاً باكياً ووافاها بالشوق، وتمتم وهمهم وغمغم حيران وهو يجول في شوارع رام الله، وكم مشى وتاه، وكم تاه فمشى، وكم أخذته غيبوبة الدهشة حين رأى حيفا الجميلة، حيفا الولادة، وحيفا التاريخ، وحيفا الحكايات، وحيفا الحلم، وحيفا البيت!.

بلى، يا أحمد دحبور، يا عزيز البلاد، نتذكرك الآن حضوراً، وأجمل الحضور حضور الغياب، فشعرك قنطرة الضوء والشروق التي واقفناها في مخيّماتنا، وشعرك كتابنا الذي بللنا بالمعاني الثقال كي نأخذ حلمنا إلى صدورنا غمراً بالذراعين، وشعرك هو أقمار ذواكرنا التي عرّفتنا بحادثات الأجداد والآباء حادثة حادثة، وشعرك هو مهابة الضوء حين يصير كلاماً، وهو فرح الحياة وبهجتها حين يصير غناءً لباهية طويلة ناحلة اسمها فلسطين.

Hasanhamid55@yahoo.com