تروس تُملي على الصين قواعد اللعبة؟!

هكذا.. بالطريقة الفجّة التي اعتادت عليها الدول الاستعمارية في التعاطي مع دولة كانت سابقاً تمثل إحدى مستعمراتها، حذّرت بريطانيا الصين من أن الدول الغربية قد تتخذ إجراءات ضدها “إن لم تلعب حسب القواعد”، مشيرة إلى العقوبات التي تم فرضها ضد روسيا.  وقالت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس أمس الأربعاء: إن “صعود الصين لا يعدّ أمراً حتمياً وهي لن تستمرّ بالنمو إن لم تلعب حسب القواعد”.

وهذا يعني فيما يعني أن لا مشكلة لدى بريطانيا مع الصين إذا قامت الأخيرة باصطحاب بريطانيا معها في قاطرة النموّ، أما أن تغرّد الصين خارج السرب وتنمو وحدها دون الخضوع للقوانين التي وضعها الغرب، وأهمها ضرورة القبول بهيمنة الغرب المطلقة على العالم، وأنه لا يحق لدولة أن تسعى إلى استقلالها الاقتصادي خارج إرادة هذا الغرب الرأسمالي المتوحش، الذي يحاول من خلال هذا التصريح أن يصوّر للعالم أنه هو المسؤول الأول والأخير عن تطوّر الدول، وأن لا أحد في هذا العالم قادر على تخطي “القواعد” التي وضعتها حكومة العالم، بأن جميع الدول يجب أن تكون مدينة في تطوّرها لهذه الحكومة، ولا يمكن الخروج على طاعتها مطلقاً، وأن الخروج على الطاعة بالنسبة إلى الصين يتمثل بشكل واضح في تحالفها الاقتصادي والعسكري مع روسيا التي شقت عصا الطاعة على الغرب، وبالتالي يتعيّن إعادة إخضاعها من جديد، حتى لا تهدّد النظام العالمي القائم الذي يتمتع فيه الغرب بالهيمنة المطلقة، في الوقت الذي برزت فيه مجموعة من القوى الصاعدة في هذا العالم، من بينها الصين، ولا بدّ من أخذ هذا الواقع الجديد في الحسبان.

إذن تحاول بريطانيا “العظمى” ابتزاز الصين مجدّداً بالقول: إن هذا النظام القائم هو الذي صنع الصين، وهي مدينة له بالولاء لهذا الاعتبار، ومن هنا ينبغي عليها أن تعيد تقديم فروض الطاعة لهذا النظام، لا أن تحاول الانقلاب عليه، لأن الصين تحتاج إلى التجارة مع مجموعة الدول السبع التي تمثل نحو نصف الاقتصاد العالمي، على حدّ زعمها، وهذه الدول هي التي تقرّر من يستمر معها في هذا النظام ومن عليه أن يغادر، فإذا أرادت الاستمرار في هذا النظام فعليها الابتعاد عن روسيا، وإلا فإن مستقبل الصين الاقتصادي مهدّد إذا هي خسرت رضا الغرب الاستعماري عليها.

بهذا الأسلوب المثير للسخرية تتحدّث “رئيسة الدبلوماسية البريطانية” مع دولة هي بالفعل تتحكم الآن بمفاصل الاقتصاد العالمي، وتملك أكبر احتياطيات من النقد في العالم، ويمكنها في أي لحظة أن تتلاعب باقتصادات العالم وأسواق المال إن هي أرادت ذلك بالفعل، ثم تأتي تروس لتتحدّث بهذه النبرة الوقحة معها.

ولا تتوانى الوزيرة البريطانية التي تعرّضت لكثير من الانتقادات حول فقدانها أبسط أنواع اللباقة الدبلوماسية في التحدّث مع الآخرين، فضلاً عن جهلها بأبسط القواعد في العلاقات الدولية، عن ابتزاز الصين من خلال تهديدها بالعقوبات، وتقديم روسيا أنموذجاً لذلك حيث فُرضت عليها أقسى العقوبات في التاريخ ثم تمكّنت من هزيمة الغرب، الذي صار الآن مضطراً لاستجداء الصين، حتى لو حاول إظهار عكس ذلك، من أجل أن تتوقف عن دعم روسيا في التصدّي لهذه العقوبات، ظنّاً منها أن ما لم تستطع إخضاع روسيا به ستتمكّن من تهديد الصين به، وهذا ما يؤكّد أن آثار الصدمة التي تلقاها الغرب من روسيا صارت تتحكّم في علاقاته مع سائر القوى في العالم، وأن الغرب أصبح عاجزاً ولا يملك سوى سلاح العقوبات الذي لن يفلح في التعامل مع الدول الكبرى التي هي بحجم قارات.

 طلال ياسر الزعبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى