الكتاب والقراءة في حياتنا

سلوى عباس

لعلّ هذا العنوان لا يثير اهتمام أحد في زمن أصبح الكتاب آخر الاهتمامات، نظراً للظروف الحياتية الكثيرة الضاغطة على المرء، والتي تجعله خارج نطاق ذاته يلاطش الحياة ذات اليمين وذات الشمال لينهي يومه وقد احتفظ ببعض رمق روحه، لكن العنوان أثار فضولي لأعرف ماذا يندرج تحت هذا العنوان، وما الجديد الذي يريد المحاضر أن يقدّمه في محاضرته هذه التي بدأها بالحديث عن رسالة العرب الخالدة التي جاءت منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، حين خاطب رب العزة نبيه المصطفى بقوله: “اقرأ باسم ربك الذي خلق…” إلى آخر الآية الكريمة التي حدّدت للعرب موقعاً متقدماً وفاعلاً ليس في محيط حياتهم فحسب بل في العالم بأسره، وقد أثبت ذلك مصداقيته وجدواه حين غدا للأمة العربية مكانة سبقت بها سائر الأمم، وأصبحت في الطليعة بين الشعوب، فحملت شعلة الحضارة وأصبحت العربية لغة العلم والمعرفة، وانتشر الكتاب العربي ليصبح المرجع الوحيد لكلّ الشعوب والأمم، فمن القراءة بدؤوا، وبالقراءة يستمر العطاء، ولولا القراءة ما صار تلاق بين الشعوب ولا تواصل بين الأجيال، والذي يحرم نفسه من القراءة إنما يحرم نفسه من زاد عظيم، ومن خبرات علمية وحياتية عاشها أناس في ظروف قد لا تشبه ظروفه، وفي أقوام قد لا يشبهون قومه، وهم بالتالي يضعون بين يديه خلاصة تجارب قد لا يتسنى له أن يعيشها، ومن هنا فإنه يكتسب من الخبرات في الحياة أكثر بكثير مما توفره له حياته في الظرف الزماني المكاني الذي يحيا فيه.

واستطرد المحاضر: لو سأل كلّ واحد منا نفسه بعد قراءة أي كتاب ذي قيمة عما أحدثه فيه من أثر، لوجد أنه مع هذا الكتاب أو ذاك قد عاش حياة حقيقية، حياة تتجاوز بكثير ما أنفقه من وقت بالقراءة، أو من ساعات في التأمل، ذلك أن ما تضمّه بطون الكتب وما تختزنه الكلمات يفوق بكثير ما يمكن أن يحيا المرء في ساعات أو ليالٍ، وقد حفظت الكتب تجارب أفراد وأقوام وتواريخ مدن وشعوب، وكلّ ذلك ممكن الاطلاع عليه والاستفادة منه، كما لو أن المرء قد عاشه حقاً، فالكتاب من بين الاختراعات البشرية الأعظم أثراً في حياة الشعوب والأفراد، ولا شك أنه مرّ بفترات ومراحل، وأشكال من التطور، حتى بلغ النضج والاكتمال لحوالي قرنين من الزمان.

وأشار المحاضر إلى أنه مهما قيل في سعر الكتاب في حاضر يومنا، فإن أي كتاب مهما غلا لا يعدّ شيئاً كبيراً قياساً لما كانت عليه الحال من غلاء الكتب وندرتها، وغياب المكتبات العامة المجانية، كما كانت الحال قبل بضعة عقود من السنين، ومهما يقال عن انتشار الأمية وضعف الإقبال على اقتناء الكتب في أيامنا هذه، فإن البون شاسع وكبير بين الحال الآن وما كانت عليه قبل خمسين عاماً.

وختم المحاضر حديثه بأن العرب دخلوا تاريخهم الحقيقي حين أبدعوا كتابتهم، وجعلوا من الحرف العربي بؤرة جمالية نالت الاهتمام والتقدير ولاتزال، واهتموا بالترجمة عن الأمم الأخرى، وجعلوا الكتاب سفيرهم الحقيقي إلى العالم، وإنه لنعم السفير وما أصدقه من سفير.

هذا التنظير حول القراءة والكتاب أصبح الحديث فيه على أهميته ممجوجاً وغير مستحب، لأن المشكلة ليست في استعراض واقع الكتاب وأهمية القراءة، فهذه حفظناها عن ظهر قلب، مشكلاتنا أصبحت تتمحور حول البحث في الظروف التي تحفظ لنا بقاءنا فقط لا غير، والكتاب واقتناؤه أصبحا من المنسيات بالنسبة للناس وآخر أولوياتهم، لكن المفارقة الأهم هو الحضور الكبير والنوعي لهذه المحاضرة. والسؤال: هل أصبح ارتياد المراكز الثقافية حالة من الهروب من واقع الحياة الضاغط؟!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى