“القرى التصديرية” وثنائية الفرص؟

قسيم دحدل

أصبحت التنمية الحديثة تتم بشكل متكامل يضمن الاستغلال الأمثل الكفء للموارد والإمكانات والفرص، وهذا الشكل من التنمية يتم في صورة شبكات متفاعلة متكاملة ترتبط قطاعاتها بعضها ببعض (الزراعة والصناعة والسياحة والتسويق والبحث والتطوير والابتكار والخدمات المساندة) كإطار عمل متكامل، وجميعها تتشابك في مجموعات وتكتلات تنتظم فيها عمليات الإنتاج وتتكامل، فلم يعد الأمر يتم قطاعياً كسابق عهده.

مقدمة تقودنا للمهم في طرح وزير الزراعة بإعلانه عن “القرى التصديرية” التي تم تحديد سبع مناطق سورية يجري العمل حالياً على تجهيز مقوماتها الإدارية واللوجستية، وهذا يعني أن الطرح تجاوز مرحلة الإعلان النظري إلى البدء بالتطبيقي العملي، وبرأينا أن ذلك يمثّل خطوة إيجابية مفاجأة نسبياً، مقارنة بتجارب عمل سابقة تعثرت، رغم ضرورة إنجاحها كونها تتلازم عضوياً مع أمننا الغذائي وعملية التنمية المستدامة والاستثمار فيها، خاصة في مناطقنا ومحافظاتنا الزراعية.

تكلم الوزير وشرح وعرض ما يعدونه وما يتوجب على المعنيين في وزارته والوزارات الأخرى إعداده وإنجازه، لكن الملفت تعليق وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية على قضية مهمة حين أشار إلى أهمية التركيز على ألا يكون الاهتمام بالمنتج المُعد للتصدير على حساب توفير المنتجات في السوق المحلية.

رغم المبطن من رسائل غير مباشرة الذي قد تتضمنه إشارة وزير الاقتصاد، إلا أننا لن نحمّلها إلا المفيد من معنى، وبالتالي نأمل أن تصب الآراء، حتى وإن كان هناك اختلاف فيها، في مرجل ولادة تلك القرى التصديرية، حيث الأهداف كبيرة، وبالوقت نفسه تتطلب عملاً أكبر، ومتابعة دؤوبة لإظهار تلك القرى إلى النور.

في هذا السياق يمكننا القول والتأكيد على أن تكون التكتلات الزراعية (القرى الزراعية التصديرية) مناطق متخصصة في إنتاج محصول معين أو عدة محاصيل فريدة نستطيع من خلالها التنمية الفعلية للمناطق الريفية، وتقديم التشجيع الحقيقي لصغار ومتوسطي المزارعين والفلاحين، إضافة إلى تعظيم الإنتاج، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية لتلك القرى عبر التكامل الزراعي الصناعي، وتعظيم توفير فرص العمل الجيدة والمجزية لفقراء الريف في الأنشطة الريفية، كما أن دعم التصدير للأسواق المحلية وليس الدولية فقط وهو أس إنشاء تلك القرى، يجب أن يستند وينطلق من دراسة موضوع “مفاهيم التكتلات الزراعية”: مستوياتها وعلاقاتها بالمستويات التخطيطية المحلية والإقليمية، القومية، وأيضاً من المتطلبات (المكانية) الخاصة بكل مستوى زراعي كي نستطيع تحقيق الفرادة والمنافسة في المنتجات الزراعية التصديرية لتلك القرى.

لعل ما لا بد منه للوصول إلى القرى التصديرية الحُلم إجراء عملية تحليل إحصائي للمحافظات الريفية باستخدام مجموعة من المؤشرات القياسية لتحديد الملائم في توطين هذا المدخل على مستوى المحافظات، وإدماج هذا المدخل في التنمية الريفية المتكاملة المستدامة عامة، وفي سورية على وجه الخصوص.

من تلك المؤشرات، إيجاد إقليم زراعي موجّه نحو التصدير ذي منتجات زراعية شهيرة، وتوفير مناخ استثماري جاذب لرؤوس الأموال المحلية والعالمية، ودفع مراحل سلاسل القيمة المضافة من الإنتاج والتصنيع وحتى التصدير داخل الإقليم، وكذلك قيام المنطقة كوحدة بحثية زراعية توفر السلالات المحسنة، وخدمات الإرشاد الزراعي، وأيضاً تحديد المجموعات الفقيرة، وتوفير الاحتياجات الخاصة بهم وتأهيلهم للعمل، وليس أخيراً تعظيم فوائد التجمع من أجل الفقراء من خلال دفع استراتيجية التعاونيات، ودعم المحاصيل ثنائية الفرص (التصنيعية والتصديرية).

Qassim1965@gmail.cim

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى