مجلة البعث الأسبوعية

تحولات النظام الدوليّ في عصر “الهيدروجين الأخضر”.. “جرين هيدروجين دولار” وتحدي التنافسية الصيني!

الدكتور سومر منير صالح – دكتوراه في العلوم السياسية

يرتبط شكل وطبيعة النظام الدوليّ بعاملين أساسيين: الهيمنة الاقتصادية، والتحكم بمركز العولمة، والعامل الأول مرتبطٌ بالتحكم بقطاع الطاقة العالميّ (إنتاجاً، وطرق إمداد، وتسعيراً)، وطبعاً القول بالهيمنة الاقتصادية يعني حُكماً القدرة العسكرية على حمايتها. والنظام الدوليّ الراهن (نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية) ما هو إلّا انعكاٌس للعاملين السابقين، فالهيمنة الاقتصادية الأميركية على النظام الاقتصاديّ العالمّي ساهمت في حسم الحرب الباردة ونشوء الأحادية القطبية، فالنظام الدوليّ ينقسم إلى هيكليتين مترابطتين: الأولى الهيكلية السّياسية والتي تعدّ منظمة الأمم المتحدة مظهرها الخارجيّ، والهيكلية الثانية هيّ الاقتصادية والتي هيّ الأساس، والمتمثلة بدعامتين الأولى هيّ نظام البترودولار الذي حوّل الدولار إلى عملة الاحتياطيّ العالميّ وأساس التجارة الدولية، والدعامة الثانية وهي المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي (ويعود نظام البترودولار إلى العام 1971 حين قرر الرئيس نيكسون إلغاء ارتباط الدولار بالذهب بما يعرف بـ “صدمة نيكسون”). وما فعلة نيكسون تسبب في إنهاء نظام بريتن وودز، والذي كان ربط العملة بالذهب ميزته الأساسية، وما يجمع الدعامتين أساسٌ ثابتٌ وهو الاحتياطيّ الفيدراليّ الأميركيّ (الذي يحتكر طباعة الدولار في العالم دون قيود فعلية)، (وهو بنكٌ خاصٌ لا يتبع الحكومة الأميركية)، وبالتالي يصبح نظام البترودولار أحد أدواته في السيطرة، وبالتالي شكلّ النظام الدوليّ الأحاديّ القطبية هو انعكاسٌ لأحادية السيطرة على النظام الماليّ الدوليّ، وحتى الذهب مرتبط بنظام البترودولار، مما أدى عبر فترةٍ ممتدةٍ من بداية السبعينيات وحتى الآن إلى هيمنة الأحادية القطبية على العالم، أمّا العامل الثاني (العولمة) فساهمت في رسوخ الهيمنة الاقتصادية ولاحقاً السياسية لتتحول الأمركة كنظامٍ سياسيّ للعولمة إلى أحاديةٍ قطبية، والعولمة والنظام الدوليّ هما سياقان غير متجانسين، الأول معرفيٌّ، والثانيّ سياسيٌّ، لا يشكلان مساراً واحداً، بل يتطوران بمسارين متوازيين، إضافةً إلى أنّ العولمة تاريخياً أسبق على مفهوم النظام الدوليّ نشوءاً، فالأخير أسست له معاهدة وستفاليا لعام 1648، بينما عملية انتقال الأفكار كأحد سمات العولمة لها جذورٌ تاريخيةٌ يصعب تأريخ بدايتها ولكن مصطلحياً تأخر ظهور المصطلح حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي،
مرّ التنظيم الدولي بثلاث مراحل توازي أجيال العولمة الثلاث: نظام توازن القوى (1815 -1914)، ونظام التعددية القطبية (1919 -1939)، توازياً مع الجيل الأول من الثورة الصناعية، والجيل الأول من العولمة (1820 – 1914)، ونظام الأمن الجماعيّ (1945 -1991)، كان توازياً مع الجيل الثاني من الثورة الصناعية والجيل الثانيّ من العولمة، وثالثاً، الأحادية القطبية والنظام العالميّ الجديد، كانت تعبيراً عن العولمة الثالثة المستندة إلى الجيل الثالث من الثورة الصناعية.

راهناً يُطرح الهيدروجين الأخضر كقطاع طاقةٍ مستقبليٍّ واعد، بديلاً عن قطاع الهيدروكربونات (الفحم، النفط، الغاز)، بالتزامن مع الانتقال إلى الموجة الرابعة من العولمة والثورة الصناعية الرابعة، بما يطرح تساؤلات جديّةً وحقيقيةً حول إمكانية تحول النظام الدوليّ من شكلٍ إلى آخر ومن طبيعةٍ إلى أخرى، فالعناصر الأساسية باتت متوفرة (الطاقة، العولمة الرابعة، البدائل النقدية) بانتظار حسم عامل الهيمنة والمرتبط بالتسعير وطرق النقل والإمداد، والأهم هو امتلاك التكنولوجيا، وهذا ما سنناقشه مفصلاً، فما هو الهيدروجين الأخضر بدايةً؟

الهيدروجين الأخضر هو المتولد عن الطاقة المتجددة (وهنا الأساس الأهم)، أو من الطاقة منخفضة الكربون، وهو وقودٌ عالميٌّ وخفيفٌ وعالي التفاعل، من خلال عمليةٍ كيميائيةٍ تُعرف باسم التحليل الكهربائي، تستخد م هذه الطريقة تيارًا كهربائيًا لفصل الهيدروجين عن الأوكسجين في الماء، إذا تم الحصول على هذه الكهرباء من مصادر متجددة (رياح، طاقة شمسية)، فستنتج طاقةً دون انبعاث ثاني أكسيد الكربون في الجو. وهنا، لابدّ من التمييز بينه وبين الهيدروجين الأزرق الذي يتم إنشاؤه من مصادر أحفورية، حيث يتم التقاط انبعاثات الكربون وتخزينها، بينما يُصنع الهيدروجين الأخضر من مصادر غير أحفورية لذلك هو “مفضّلٌ” من قبل صانعي السياسة وأصدقاء البيئة الذين يحذرون من استمرار الاقتصاد الأحفوريّ.

الصفقة الخضراء الأوربية (استراتيجية الهيدروجين الأوربية)، في سبيل مواجهة التحديات المناخية والبيئية، صاغت دول الاتحاد الأوروبي ما يُعرف بـ “الصفقة الخضراء“، وهيّ عبارةٌ عن حزمةٍ طموحةٍ من التدابير تتراوح بين خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بشكلٍ طموح، إلى الاستثمار في أحدث الأبحاث والابتكارات، إلى الحفاظ على البيئة الطبيعية في أوروبا، تهدف إلى الحدّ من انبعاثات الغازات بنسبة 55% على الأقل بحلول عام 2030، والتحول إلى محايد مناخيًا بحلول عام 2050. عززت الحرب الروسية الأوكرانية هذا التوجه بعد قرار الاتحاد الأوربيّ التخلص من واردات الغاز الروسي بحلول 2027، وهنا بدأ البحث عن موارد طاقوية جديدة “خضراء” ضمن استراتيجية أوروبا للطاقة، وفي مقدمة الخيارات كانت شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ورغم أنّ خيار الهيدروجين الأخضر ما زال منخفض الجدوى مقارنةً بالوقود الأحفوري، نظراً لتكلفته (التحليل والنقل والصيانة)، وضعف إمكانيات البنية التحتية المخصصة للإمداد بالهيدروجين، إلّا أنّ خياراتٍ بديلةٍ باتت تلوح بالأفق كتوليد الطاقة الكهربائية في مناطق التصنيع عبر تقنية الهيدروجين وربطها بمناطق الاستهلاك، كالخطة الأوروبية للربط الكهربائيّ مع كلّ من الجزائر ومصر مثلاً. والملاحظ هنا دخول كبرى شركات الطاقة الأحفورية على خط الهيدروجين الأخضر، فقد عزّزت مصر والجزائر خطط التعاون الصناعي في هذا المجال عبر توقيع اتفاقيات مع عملاق الطاقة الإيطالي “إيني” بهدف قيادة جهود تطوير مشاريع هذا القطاع في البلدين، طبعاً، مستقبل الهيدروجين الأخضر مرتبطٌ بتوافر تقنيات التحليل الكهربائي القابلة للتشغيل تجاريًا والذي سيكون بمثابة العمود الفقري لنشر الهيدروجين عبر القطاعات، وهو مرتبطٌ بتقنيات الذكاء الاصطناعيّ والثورة الرقمية القادمة.

 

كارتيلاتٌ أم أقطابٌ دولية  

الكارتيل اتفاقٌ غالباً ما يكون مكتوباً بين عدد من المشاريع تنتمي إلى فرعٍ معينٍ من فروع الإنتاج لأجل تقسيم الأسواق أو تنظيم المنافسة مع الإبقاء على شخصية كلّ مشروعٍ من الناحيتين القانونية والاقتصادية، بحيث لا تندمج مع بعضها. ومع تعاظم الطلب والاستثمار على تكنولوجيا الهيدروجين الأخضر والذي من المتوقع أن تصل قيمة الاستثمارات السوقية في إنتاج الهيدروجين الأخضر 12 تريليون دولار بحلول عام 2050 (مؤسسة الخدمات المالية العالمية “غولدمان ساكس”)، يقف العالم أمام سيناريوهاتٍ متعددةٍ، منها نشوء كارتيلاتٍ من المنتجين تتحكم بالعرض والطلب والتسعير، والسيناريو الأخر هو نشوء أقطابٍ دوليةٍ من المنتجين ضمن تحالفٍ دوليٍّ للإنتاج والنقل والاستثمار والتسويق، تُمهد لفكرة تحول هذه التحالف إلى تحالفٍ طاقويّ يمهد لنشوء قطبٍ إقليميٍّ في العلاقات الدولية. ولكنّ النقاش الحالي يدور حول قدرة الولايات المتحدة على ضمان التسعير بالدولار لتضمن بقاء الهيمنة على قطاع الطاقة العالمي، فكما ذكرنا نظام البترودولار هو أداة الولايات المتحدة في الهيمنة وعنوانٌ ثابتٌ لحقبة الحرب الباردة. وهنا أمام الولايات المتحدة خياران لضمان هيمنتها: الأول امتلاك التكنولوجيا التنافسية واحتكارها في قطاع الهيدروجين الأخضر، والثاني استمرار تسعير الطاقة بالدولار بمعنى انتقال نظام البترودولار إلى نظام (جرين هيدروجين دولار)، ولكن الأرقام غير مبشرةٍ بالنسبة للولايات المتحدة إذ تتوقع “خارطة الطريق لتقرير اقتصاد الهيدروجين الأمريكي” أنّ الهيدروجين يمكن أن يوفر ما يقرب من 14 في المائة فقط من احتياجات الطاقة في البلاد بحلول عام 2050، فكيف يمكن مع هذا الحال الهيمنة على سوق الإنتاج العالميّ، لذلك قد تتجه الولايات المتحدة إلى سيناريو مشابهٍ لنشوء نظام البترودولار.. كيف ذلك؟

 

صفقة كيسنجر (1974)

وهيّ عبارةٌ عن سلسلةٍ من الاتفاقيات والتفاهمات الأميركية السعودية لتوفير الأمن لحقول النفط السعودية، فضلاً عن توفير الأسلحة العسكرية للسعودية. وفي المقابل، فإنّ المملكة العربية السعودية ستستخدم نفوذها في منظمة أوبك لضمان أن جميع المعاملات ستجري بالدولار الأمريكي.

راهناً هذا الخيار يبدو مطروحاً بشدةٍ الآن، بمعنى إبرام صفقاتٍ أميركية مع الدول ذات الإنتاج المرتفع والإمكانيات المحتملة لضمان تسعير الهيدروجين بالدولار، ولكنّ المسألة تحتاج إلى أمرين: الأول احتكار الولايات المتحدة لتكنولوجيا تنافسية في هذا المجال، والثاني منع القوى الصاعدة من التنافسية (روسيا، الصين، الهند…) بهذا القطاع.

 

عملاق الهيدروجين القادم… الصين وتحدي الجرين هيدروجين دولار

تبرز الصين كعملاق هيدروجين محتملٍ مع أكثر من 50 مشروعًا، بعد الإعلان عن صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2060، كما تبلغ الاستثمارات الصينية الراهنة ما قيمته 17 مليار دولار في تكنولوجيا الهيدروجين الأخضر، حددت الحكومة الصينية طاقة الهيدروجين كواحدة من ست صناعات في المستقبل، وأصدرت مؤخرًا خططًا تؤكد أهميتها لكلّ من الطاقة والتنمية الصناعية، كما تعد الصين راهناً أكبر مورد للهيدروجين في العالم، وتنتج حوالي 25 مليون طن من الهيدروجين (ربع الإنتاج العالميّ)، كما يتوقع تحالف الصين للهيدروجين أن يصل طلب الصين على الهيدروجين إلى 35 مليون طن بحلول عام 2030، ليمثل خمسة في المائة على الأقل من إمدادات الطاقة في البلاد، قبل أن يرتفع إلى 60 مليون طن و10 في المائة بحلول عام 2050، و100 مليون طن و20 في المائة بحلول عام 2060. تتوقع المجموعة أن تصل قيمة إنتاج الصناعة إلى 1 تريليون يوان (157.44 مليار دولار أمريكي) في وقتٍ مبكر من عام 2025.

وأمام هذا الواقع لا تبدو الولايات المتحدة قادرةً على كبح جماح الصعود الصينيّ وتنافسيته، ولكن قد يكون دافعاً إضافياً لاحتواء الصين أو العمل على استنزافها من خلال طوق الأزمات الجيوسياسية التي تراهن عليه الولايات المتحدة في محيط الصين الجيوساسي. ورغم ذلك يبدو أنّ الولايات المتحدة قد تتجه إلى صفقة كيسنجر جديدةً في شمال أفريقيا و”الشرق الأوسط” لضمان حدٍّ أدنى من التسعير العالمي للهيدروجين الأخضر بالدولار.

بالختام، لا يسعنا في مقالٍ الإحاطة بكلّ السيناريوهات والاحتمالات، ولكن من المؤكد أن العقود الثلاث القادمة ستشهد ميلاد نظامٍ دوليّ جديدٍ، شكله وطبيعته رهنٌ بالتحكم بطاقة المستقبل (تكنولوجيا وتصنيعاً)، والمنطقة العربية ربما تعاني ويلاتٍ جديدةً نظراً لأنّها “احتياطيّ الهيدروجين الأخضر الأكثر تنافسية”، والسبب “إمكانيات الطاقات المتجددة الهائلة في الجغرافيا العربية”.

ما يهمنا مدى قدرتنا على تحويل هذه الثورة التكنولوجية في عالم الطاقة إلى رافعةٍ لإعادة الإعمار في سورية، وتسجيل موقع بارز في خارطة الطاقة الخضراء القادمة، فسورية جغرافياً وبيئياً لها حظوظ معقولة في هذا الميدان.