الصور تعزف علاماتها الزمنية بذاكرة موسيقية

حلب- غالية خوجة

تتوقف اللحظة التأريخية في لقطة لتحكي أزمنة مختلفة، وحكايات متنوعة، متشابكة ومنفصلة، ومع توقفها وثباتها تبدو متحركة، وتنساب من خلفيتها موسيقا لزمن ماضٍ تعزفه حواس الحنين، فتعود الشخصيات والأمكنة والأحداث إلى العبور من إطارها إلى ذاكرتنا، وهذا مؤثر من مؤثرات الأرشيف في حياتنا، سواء كان صوتياً أو مرئياً، أو مكتوباً، أو مخطوطاً، ليشكّل مع ما يشكّل من التراث اللا مادي.

“سيرانا”

وعلى هذه الموسيقا يعزف معرض من الذاكرة الفنية في مدينة حلب محتفياً بيوم الموسيقا العالمي، في صالة تشرين، المقام بالتشارك بين مديرية التراث اللامادي ومديرية الثقافة. ويشعر المصغي لهذه الصور بأنها تعزف موسيقا عريقة متحركة بأصالتها بين “الرابسودي” و”السيمفوني” لكن، بروح عربية تموج بين مقاماتها السبعة الرهيفة المتنقلة بين الصبا والنهوند والعجم والبيات والسيكاه والراست والكرد، والملفت أن عدد المقامات العربية بعدد العلامات الموسيقية السبع، وتجاريها اللغة العربية التي تختصر اشتقاقاً إبداعياً مقاماتها بجملة رمزية مؤلفة من كلمتين بأحرفها السبعة: “صنع بسحرك”، لتترك للقارئ والمشاهد والسامع أن يسبح مع السحر الفني الذي سمّاهُ “هوميروس” قديماً بـ”سيرانا”.

توثيق موسيقي

وللمتلقي أن يجد في عناوين الصور أحداثاً تؤول مضامينها، فهنا تطلّ علينا لقطة تجمع عبد الحليم حافظ وفاتن حناوي عام 1976، في إحدى السهرات الحلبية بدار حماض الأثرية بطرازها المعماري العريق ونوافذها المتأملة لملامح الوجوه المنسجمة مع ما تسمعه من ألحان القدود الحلبية وموشحات يصدح بها الفنان الحلبي صبري مدلل. وهناك لقطة “بورتريه” للمطربة الحلبية ملكة سرور وعمرها 16 سنة، وكانت من فرقة أبو خليل القباني في رحلته إلى مدينة شيكاغو التي تمّ فيها تسجيل أول أغنية عربية على أسطوانات أديسون عام 1893، وتحتفظ به جامعة هارفورد. بينما تأخذنا أصوات كورال دار المعلمين إلى مسرح دار الكتب الوطنية لنصغي إلى التألق الغنائي عام 1982، وهو ينشد من تراثنا الغنائي ما يطرب المستمعين، حتى من خلال الصورة، لأن التراث يدور في ذاكرة كل إنسان سوري كما تدور الأسطوانات القديمة، وكما تدور الأرض حول الشمس.

لا بد من نقد أم كلثوم

وترحل بنا صور العديد من مقالات الصحف الفنية إلى عوالم وأفكار وأحداث أزمنة موسيقية مختلفة، منها صفحات من مجلة “الإذاعة” يرجع تأريخها إلى عام 1958، ومنها مقالة لأحمد الأوبري الذي كتب عن حفلات أم كلثوم بحلب في مجلة “الحديث” عام 1932، بعنوان: “من لا يحبها؟ لكن لا بد من نقدها!”، لافتاً بعنوان فرعي آخر إلى ضرورة دراسة الموسيقا: “فنانونا يعتقدون أن دراسة الموسيقا والغناء تضعف الصوت والموهبة ومنهم أم كلثوم”!.

الموسيقا علم وفن وثقافة

ثم، تعود بنا الذاكرة إلى مسرح نقابة الفنانين عام 1976 لنصغي إلى موسيقا تعزفها الفرقة بقيادة نديم علي الدرويش، فتلتقي أوتار عود محمد قدري دلال مع أوتار كمان جان بتراكي وزهير طباخ مع أوتار قانون صافي زينة مع نغمات ناي محمد عبدو.

وعن هذه الصورة قال الفنان جلال جوبي المقيم في استوكهولم لـ”البعث”: إنها إحدى صور أرشيفي، وتضمّ أكبر أساتذتنا الذين درسنا على أيديهم، وكم كان للمايسترو نديم الدرويش نجل الشيخ علي الفضل فيما وصلت إليه الآن في كافة العلوم الموسيقية.

التوثيق ضرورة فنية ومعنوية

أمّا عن المعرض، فأجابني جوبي: هكذا معارض هي ضرورة ملحة لعدة أسباب، منها أنها تعيد الحقوق “المعنوية” على الأقل إلى أصحاب الفضل فيما قدموه من علم تستفيد منه الأجيال، كما أن التوثيق أمر في غاية الأهمية لأنه يحفظ تلك العلوم من الضياع وتلك الأسس التي سنبني عليها من خلال الأجيال القادمة.

واختتم: كل الشكر لأصحاب الفكرة والقائمين على حفظ تراثنا الموسيقي من الضياع، وكنت أتمنى أن أكون معكم، وأحتفل بالمعرض ويوم الموسيقا العالمي الذي احتفلت به في المغترب قبل يوم عيد الموسيقا مع كورال أورنينا وكان وقعه جميلاً، قدمنا فيه مجموعة من الأعمال الغنائية الكلاسيكية التي لاقت صدى رائعاً في أرجاء السويد، وحالياً بصدد التحضير لحفل موسيقي ستقوم به مجموعة من طلابي في السويد.

حلب بيت النغم

وعن هذا المعرض خصّ “البعث” الفنان غسان دهبي قائلاً: يتضمن المعرض مجموعة صور من الذاكرة الموسيقية لحلب المعتبرة عاصمة للفن الراقي في الموسيقا والغناء، والتي تفتخر بأبنائها الذين ساهموا في نهضتها الفنية وجعلوها “بيت النغم”، وهذا ما اعترفت به منظمة  اليونسكو عندما سجّلت القدود والموشحات ضمن لائحة التراث الإنساني العالمي. وتابع: علينا أن نتذكر دوماً الأوائل الذين ساهموا في هذه النهضة الفنية أمثال عمر البطش وبكري كردي وعلي الدرويش ونديم الدرويش وعزيز غنام ومحمد خيري وصباح فخري وصبري مدلل، وغيرهم الكثير ممن ساهموا بأعمالهم الخالدة انطلاقاً من مدينتهم حلب وصولاً إلى مسارح المدن العالمية، الرحمة لأرواحهم جميعاً، لذلك، يأتي المعرض للحفاظ على الذاكرة الفنية توثيقياً، لأنها كنز كبير نسعى إليه جميعاً خوفاً من الضياع أو التلف، خصوصاً، تلك الصورة الورقية الباقية عند الأهالي والفنانين.

الفن الراقي

واسترسل دهبي: وهذا الفن الراقي الذي جعلت منه مدينة حلب عيداً تحتفل به مع باقي مدن العالم خلال إقامته في 21 حزيران من كل عام، من خلال إقامة الحفلات والأمسيات الموسيقية والغنائية في المسارح والحدائق والساحات العامة، وتتناقله الأجيال، مستذكرة المبدعين الموسيقيين تأليفاً وعزفاً وغناء، لذا، نضيف لهذه الفعاليات هذا المعرض المؤلف من 100 صورة نادرة تمّ توثيقها وجمعها من عدة جهات وأشخاص وأصحاب العلاقة، وشريكي في التوثيق والتنفيذ الفنان الصحفي أحمد حفار، وتمّت معالجة الصور فنياً وتكبيراً للحجم لتروي سيرة زمنية لحفلات وأمسيات موسيقية وغنائية.