مجلة البعث الأسبوعية

هذا ما يحصل بفعل الاحتكار وضعف الرقابة .. السكر يختفي والفروج يطير واللحوم للمقتدرين!

البعث الأسبوعية – علي عبود

يتساءل المواطنون بسخرية: لمن تصدر وزارة التجارة الداخلية نشرات التسعير؟

ولو كانت الجهات الرقابية المسؤولة نظرياً عن حماية المستهلك جادة أو قادرة لكانت الأسواق مضبوطة، ولما تجرأ التجار والباعة على رفع الأسعار أو حجب السلع الأساسية عن المستهلكين.

ما حدث في الأيام الأخيرة يؤكد إن من يسيطر على الأسواق هم المحتكرون بفعل رقابة حكومية عاجزة عن ضبط الأسعار والأسواق وحماية المستهلك رغم تهديد الجهات المعنية بالضرب بيد من حديد (لا خشب) للمخالفين والمحتكرين.. الخ!

خلال أقل من 24 ساعة ارتفع سعر الفروج الحي والمذبوح، بل إن قطعه الفاخرة كالشرحات اقترب سعرها من اللحوم الحمراء، فكيلو الشاورما تجاوز الـ 40 ألف، واختفت مواد أساسية كالسكر، ومواد لا غنى عنها لملايين المواطنين كالمتة، وتزامن كل ذلك مع ارتفاع غير مسبوق ببيع مواد مغشوشة وفاسدة للمواطنين لم يتوقف تدفقها على الأسواق رغم آلاف الضبوط بحق المرتكبين!

والملفت أن المواد الأساسية كالسكر والأرز والزيت اختفت من صالات “السورية للتجارة” وكأنّ وعود وزيرها بتأمينها عبر البطاقة الذكية على مدار العام وبكميات كافية لم تكن أكثر من وعود ورقية بدليل إننا نقترب من نهاية الربع الثالث من عام 2022 ولم توزع خلاله سوى دفعة واحدة من المواد المدعومة إلى حد بات المواطن يتساءل: هل ستعلن الحكومة قريبا إلغاء توزيع المواد المقننة نهائيا وإلى الأبد؟

 

“همروجة” السكر

ومع أنه لا يجوز التعاطي مع مادة أساسية باستخفاف كالسكر لاغني عنها لأي أسرة سورية، فإن تذبذب أسعارها، ودائما صعودا حولها إلى “همروجة” سمجة، بدليل أن وزارة التجارة عجزت عن تأمينها سواء في صالاتها، أو بالضغط على التجار المحتكرين لضخها من مستودعاتهم إلى الأسواق!

نعم إنها “همروجة” بامتياز، ففي البداية حددت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك سعر مبيع كيلو السكر في السوق بـ3700 ليرة (دوكما) و3900 ليرة للمعبأ، وحسب قولها “الأولي” أن هذا السعر تحدد (بناء على الاطلاع على سعر مادة السكر في البورصات العالمية واحتساب أجور الشحن والتأمين والتخليص والرسوم الجمركية وغيره من النفقات) ثم رفعته إلى 4200 ليرة.

وكان يُفترض بالوزارة أن تثبت وجودها فتلزم التجار أو المحتكرين بتوفير المادة بالأسواق بسعرها الرسمي، لكن ما حدث العكس تماما، كانت المادة شحيحة وبسعر أعلى بنسبة لا تقل عن 20% من التسعيرة الحكومية، ثم ارتفع سعر الكيلو إلى خمسة آلاف ليرة وفي أحياء بعيدة عن المركز أو الراقية إلى ستة آلاف ليرة!،  وحرص المحتكرون على ضخ المادة في الأسواق بكميات قليلة جدا تناسب قدرة المقتدرين على شرائها مهما ارتفع سعرها!

أكثر من احتكار!

غريب تصريح وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الذي نفى فيه (وجود أي حالة احتكار في استيراد مادة السكر وأن إجازات الاستيراد متاحة أمام كل من يرغب في توريد المادة، وأن عدد الموردين لمادة السكر التجاري يزيد على 20 مستورداً) ..

حسنا، إذا كان عدد الموردين 20 مستوردا، وإذا كان معدل توريد مادة السكر ـ حسب معاون الوزير ـ لم يسجل أي انخفاض و(أنه منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية الشهر الماضي (تموز) تم توريد 201 ألف طن من مادة السكر التجاري)..فالسؤال: لماذا مادة السكر شحيحة في الأسواق ويباع الكيلو بـ ستة آلاف ليرة؟، وإذا كانت الكميات المستوردة مع الكميات التي تم توريدها لنفس الفترة من العام الماضي (2021) نفسها تقريبا فهذا يؤكد أننا لسنا أمام حالة احتكار، بل أمام “كارتل احتكار”!

حسب معاون وزير الاقتصاد يجب أن يتبارى الـ 20 مستوردا للسكر على طرح المادة في السوق بأسعار تنافسية، ولكن حجب المادة يؤكد أنهم يشكلون فيما بينهم “كارتل السكر” لاحتكار المادة وبيعها بأعلى الأسعار طالما أن وزارة التجارة الداخلية تقاعست عن ممارسة دورها واكتفت بالتسعير الورقي والرقابة العقيمة!

أليس غريباً بل ومريباً أن تقدم وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية التسهيلات لعشرين مستوردا لتوريد 350 ألف طنا من السكر سنويا، ولا تلزمهم مقابل التسهيلات ببيع 20% منها مثلا للسورية للتجارة بسعر التكلفة؟

المتة في قبضة المحتكرين

فجأة تحولت المتة “معشوقة” ملايين السورية إلى مادة عزيزة المنال فغابت عن الأسواق وارتفعت أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالأشهر القليلة الماضية وما من سبب لذلك سوى الاحتكار.

ارتفع سعر عبوة المتة أصغر قياس بوزن 150 غراما إلى 3400 ليرة والكبيرة إلى 10000 ليرة , ويتقصد محتكرو توزيع المادة بطرح كميات قليلة منها أقل بكثير من الطلب عليها كي يضمنوا رفع أسعارها أكثر فأكثر، لأنهم أصبحوا على دراية بأن ملايين السوريين لا غنى لهم عن تناولها بل أن غالبيتهم مستعدين عن الاستغناء عن الشاي ولكن المتة فلا، فهي باتت مشروبا متداولا على مدار الساعة!

وكعادتها نفت وزارة التجارة الداخلية وجود نقص في المتة في الأسواق، بل أكد مدير حماية المستهلك في الوزارة (أن موزع المتة يقوم بتوزيع المادة عبر سياراته إلى جميع المحال والأسواق وأنه لا وجود لتسعيرة جديدة للمادة)، وهذا النفي والتأكيد معا يشير إلى أن وزارة التجارة الداخلية ترفض الاعتراف بالواقع الذي يعكس احتكار جميع المواد المطلوبة بشدة وبرفع أسعارها، وتكتفي بتصريحات (خلبية) بدلا من معالجة المشكلة بآليات تضمن منع الاحتكار والتلاعب بالأسعار والمواصفات.

 

الفروج للمقتدرين فقط

ولم تتوقف أسعار الفروج بمختلف مكوناته الذي كان في يوم ما “أكلة الفقراء” عن الارتفاع في السنوات الأخيرة، ولم تتدخل أي جهة حكومية لوقف ارتفاعها رغم المؤشرات المتسارعة التي كانت تشير إلى انه يطير تدريجيا من موائد ملايين السوريين، وبعدما كانت الأسرة تشتري فروجا كاملا اضطرت خلال فترة قياسية إلى شراء أقل من حاجتها وبالقطعة الواحدة، بل إن الكثير منها طردته من موائدها باستثناء المناسبات النادرة!

وإذا كان المربون يبيعون في أشهر كثيرة الفروج بسعر الكلفة أو بربح بسيط، وأحيانا بخسارة ،فهذا يعني إن المشكلة بالتجار وبالباعة الكبار، أي بالاحتكار، وإلا ماذا يعني أن يصل سعر كيلو شرخات الدجاج إلى23 ألف ليرة، ثم يقفز بعد أقل من24 ساعة إلى 26500 بسعر الجملة أي إلى ما لايقل عن30 ألف للمستهلك!

نعم، بدأ سعر الفروج يقترب من أسعار اللحوم الحمراء فكيلو الشاورما بـ42 ألف ليرة،  وكأنّ هناك تنافسا بين التجار على من يرفع سعر لحومه أكثر فأكثر، ولماذا لا يفعلونها بغياب أي تواجد فعلي للرقابة؟!

ومع إن ‘‘السورية للتجارة’’ بدأت بطرح الفروج المجمد بحدود 9 ألاف للكيلو فإنه دون متناول الكثير من الأسر السورية، ولو كانت وزارة التجارة جادة بتخفيض سعره في السوق لوفرته بسعر مدعوم على البطاقة الذكية، ويبدو أنها ليست بوارد هكذا فعل وهي المنشغلة بإطالة أمد توزيع دفعات السكر والأرز ربما تمهيدا لإلغاء التوزيع نهائيا!!

الخلاصة: السكر شحيح في الأسواق والفروج يطير من موائد السوريين واللحوم الحمراء لفاحشي الدخل بفعل تقاعس وزارة التجارة عن ممارسة دورها الفعال بالتدخل الإيجابي، والذي يكون بتوزيع سلة بالمواد الغذائية شهريا للأسر السورية تُرغم من خلالها المحتكرين على توريد السلع إلى الأسواق وفق نشرات التسعير الرسمية.