محمد علي شمس الدين يستريح بعد طوافه عوالم الشعر

جمان بركات

عندما سألته منذ ثلاثة أعوام، في حوار على هامش معرض الكتاب: ما هو الشعر؟ أجاب د. محمد علي شمس الدين بكل تواضع:

“الشعر علامة من علامات الحضارة، هو جزء من مجتمع يتعاطى مع الفنون التي تهذب الأخلاق والحياة وتخفف الوحشية وتصفها. الفنون هي أقدر على وصف حركة الحياة في كافة وجوهها في لطفها وعنفها، ولا يمكن أن أتخيل كائناً يعيش بلا شعر.. خرجت صرخات كانت بداياتها مع الفيلسوف هيغل، عام 1823، الذي أعلن موت الشعر، فباعتقاده أن الشعر يخدم الفلسفة، وحين اكتملت الفلسفة صار لا بد من سكوت الشعر. ومن وجهة نظري، الشعر لا يخدم إلا نفسه، يستعمل الفلسفة ولا يخدمها، ويستخدم التاريخ ولا يخدمه، ويستعمل المجتمع ولا يخدمه، وهناك نظرات ترى بأن الشعر يجب أن يقول القيم الأخلاقية العدل والحب والمساواة ويخدم الجمال بالمطلق، في النهاية الشعر هو الوجود بكل تناقضاته بأبيضه وأسوده.. والشعر سر يبحث عن سر، والشعر تدفق الموسيقى في كتلة اللغة، والشعر جرح من أقدم جروح الغيب.. جرح لأنه كلمة، وكلم في اللغة جرح وقديم، لأن الحفريات أظهرت أن الشعر محفور في كهوف الإنسان الأول، فالإنسان الأول هو الشاعر الأول، أما الغيب فالغامض والمجهول، ويبدأ من هنا لينتهي بالله عز وجل وأسرار الميتافيزيقا”.

وفي آخر تصريح له، كان محمد علي شمس الدين يرفض فكرة موت الشعر التي أطلقت لأنها تحمل تهافتها بذاتها، الشعر يتحول ويتطور مع الإنسان والمجتمع التكنولوجيا والاقتصاد والحضارة، إنه الآن مثلما كان دائماً هو مشروع بديل عن كل معنى وكل ظاهرة وكل أمر يحاول الكائن أن يراه من خلال خياله واللغة بصورة أخرى متخيلة ومفارقة.

وكما يقال، فـ “الشعراء لا يرحلون، هم يدخلون في غيبوبة الكلمة، وأصحاب الفكر تبقى أعمالهم وكتاباتهم وإن أسكتهم الموت”. وفي الأمس، غيب الموت الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين (1942 – 2022) إثر إصابته بفشل كلوي ودخوله في غيبوبة في أحد مستشفيات بيروت عن عمر ناهز الثمانين عاماً قضى معظمها في رحاب الشعر الأصيل والأدب النبيل مدافعاً عن قضايا أمته العربية ووطنه لبنان.

يعتبر محمد علي شمس الدين من أكبر وأعمق شعراء العرب المعاصرين، ترك عشرات الدواوين الشعرية التي تنماز بالعمق الفلسفي والبعد العرفاني، والتي ترجمت إلى عدة لغات حول العالم، منها ديوان “شيرازيات” الصادر عن دار الأمير، كما ترك مجموعة قصصية وعدة كتب فكرية معمّقة تعنى بقضايا الشعر والفلسفة والأدب والفنون وتاريخها، كما كانت أعماله عرضة للبحث الأكاديمي فأثمرت عشرات الرسائل الجامعية ما بين الماجستير والدكتوراه توزعت على الجامعات اللبنانية والعالمية.

نعاه مدير عام دار الأمير محمد حسين بزي حيث كتب: محمد علي شمس الدين الصوفي الجنوبي.. وداعاً.

استراح الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين بعدما طاف في عوالم الشعر لسنوات واكبها نزوح مستمر في الوطن بحثاً عن الوطن.

شمس الدين الشاعر الذي غاص في التراث ليطلقه في عوالم الحداثة، ورحل في كشوفات الصوفية ليجعل منها صوفية تنتمي إلى جنوبه اللبناني الذي أحب حتى الرمق الأخير.

بولادته الشعرية في بدايات السبعينيات من القرن العشرين، رسم شمس الدين صورة جديدة للذاكرة، وللذوق الأدبي ليس في لبنان فحسب، بل في الذاكرة الأدبية العربية أيضاً.

نذكر، في مجلة الحداثة ودارها وحلقة الحوار الثقافي، تلك اللقاءات الممتعة والغنية معه، وهو يقدم زبدة ما عنده من أشعار وأفكار تمسّ جوهر أوجاع الناس لتطال أحلامهم المجهضة بوعود وأوهام تعبر عن الانفصال الكامل بين السياسة اللبنانية وحاجات الناس وهمومهم، كذلك نذكر كتاباته غير مرة في مجلة الحداثة ومنها تقديمه مختارات من الشعر اللبناني والعربي المعاصر في عدد ربيع 1998، كذلك نشر دار الحداثة أول كتاب له يحمل سيرته وهو بعنوان “كتاب الطواف” (1987).

محمد علي شمس الدين الذي ترك أثراً لا يمحى في الثقافة والوجدان العربيين، لن نقول وداعاً بل نلتقي معك كل صباح، ونحن نقرأ أعمالك الشعرية والنثرية التي ستبقي خالدة بخلودك في الذاكرة الأدبية اللبنانية والعربية.

كان الراحل محباً لسورية، ولم يبخل عليها بقصائده وزياراته، وقد كتب الأديب السوري نزار بريك هنيدي: ما إن صدر ديواني الثالث “ضفاف المستحيل”، عام ١٩٨٦، حتى فوجئت بالشاعر محمد علي شمس الدين يخصص له صفحة بكاملها في مجلة “الكفاح العربي”، بالرغم من أنني لم أكن قد تعرفت إليه شخصياً وقتها، بينما كان هو أحد أقطاب ظاهرة “شعراء الجنوب” التي احتلت مكانتها في صدارة المشهد الشعري العربي آنذاك. ولم ألتق به إلا بعد عشرين عاماً لأشعر أنه الشعر الصافي وقد تجسد في إهاب رجل. إلى رحمة الله يا أميرال الطيور وملك الممالك العالية.

وكتب الصحفي علي الراعي على صفحته الشخصية: ثمة خطبٌ ما؛ ينتابُ اللغة عندما يموت الشاعر، خطبٌ يبدو كخللٍ يُربك الحروف، وتُمسي عاجزة عن إنشاء الجمل المُفيدة، تماماً كما في فقد قامةٍ شعرية، بحجم الشاعر محمد علي شمس الدين  الذي قدّم لديوان الشعر العربي آلاف القصائد بكل توءدة وهدوء..

وكتب أصدقاؤه على صفحاتهم الشخصية: وداعاً شمس لبنان.. هل للوداع مكان أم أنه سفينة بلا شراع، يا ليت الزمان يعود واللقاء يبقى للأبد، ولكن مهما مضينا من سنين سيبقى الموت هو الأنين وستبقى قاموس تتردد عليه لمسات الوداع والفراق، والموت هو البقاء.

الشاعر الكبير محمد علي شمس الدين أيقونة الأرز الشعرية التي خلدت لبنان الشعر في جذور القوافي والتي تضرب بعمقها في اخضرار تربة المعاني والأخيلة والتي تسير على طريق من أعشاب الفكر المتماوج والمتموسق على جناح الطبيعة المزدهرة دوماً برحيق السلطنة المزاجية، والتي تأخذك إلى دروب من مساحات فضائية فيها الكثير من زخات نسيم الانفتاح على توليد المعاني والخبرة في إرواء الظمأ إلى بوح اللغة في جرسها العالي ونغمها المنساب على دقات القلب النابض بروح الألق المتألق والذي يتركك تنام على وسادة الإشباع وأنت تردد صدى الحنين في وجدانك الممتلئ بحلاوة المعنى وطرافة الإبداع.

وتبقى كلمات الأديب عمر شبلي: محمد علي شمس الدين، شاعر الدهشة والإثارة والاشتباك الحميم والشرس في آن، شاعر اللحن الأخير في جنازة مَن يقول بموت الشعر.

وفي النهاية ليس عبثاً ما قاله الفيلسوف والكاتب الانكليزي هنري ديفيد ثورو: “لم يسبق للبشرية أن قرأت أعمال الشعراء العظماء، لأن الشعراء العظماء فقط من يمکنهم قراءتها”.

وهکذا حال القارئ والمتلقّي مع شاعر بحجم الرّاحل محمّد علي شمس الدين، فمسيرته مکتبة شعرية عامرة تخطت النصف قرن من الزمن، من قرأ لماردها أدرك ما على أرففها من إبداع وأصالة وجمالات لا تُشبه إلا صاحبها، وأسرفت أذناه في التقاط صدى إيقاعاتها.. خيال جامح بِلا مدى، ولا أفق لمعانيه الموغلة في الدلالات والصور.. ليس من السهل أن تختصر مسيرة مارد بهذا الحجم بالکلمات والعبارات، حتى لو أردت أن تكتب مئات المفردات المسرفة في الجمال، ولو عددت ما في السماء من أنجم وأقمار، وغيم، وما في الأرض من حدائق، وورد وعطر..

ثمّة نقطة تستحقّ الذكر وهي أن کل من عرف الشاعر عن قرب، وعى ما فيه من سمة التواضع، فقد كان قريباً محباً من الجميع، وله من المواقف الوطنية المشرفة ما يُوضع في حدقات العين، والجديرة بکل احترام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى