انتخابات الإدارة المحلية.. المشاركة الفاعلة بدل البكاء الدائم على اللبن الانتخابي المسكوب

“البعث الأسبوعية” – أحمد حسن

مطلع الأسبوع القادم تقف سورية أمام استحقاق دستوري مهم جداً رغم طابعه الخدمي المباشر، بل بسبب هذا الطابع تحديداً، لتماسه المباشر مع حياة المواطن وهمومه ومعاشه ومعيشته اليومية، دون أن نغفل البعد السياسي لهذا الاستحقاق في هذه المرحلة من الحرب باعتباره، أي الاستحقاق، شأنه شأن سواه من الاستحقاقات الوطنية، فعلاً وجودياً قامت، وتقوم، به الحكومة في مواعيده الدستورية دون أن يشغلها عنه شاغل رغم الظروف الأمنية القاسية جداً، من جهة أولى، وتشويش البعض عليه والمطالبة، من جهة ثانية، بتأجيله بذرائع شتّى مغلفة بـ”واقعية” مدّعاة بينما كان هدفها الأساس إظهار الدولة السورية بمظهر الفاشلة والعاجزة عن القيام بواجباتها تمهيداً للمطالبة بحلها وإعادة بنائها على الصورة التي يريدون، لذلك كان احترام المواعيد الدستورية، إلى جانب كونه إجراء طبيعياً، حركة مقاومة تعلن انحيازها إلى فكرة الدولة لا الدويلات التي تحاول واشنطن وأتباعها ترسيخها في الجغرافيا السورية والأخطر في الوعي الشعبي.

 

الكرة بملعب الناخبين

الإجراءات الدستورية والقانونية من حيث مراعاة المدد الانتخابية وتشكيل لجان الإشراف المختلفة أنجزت بأكملها وفي مواعيدها المحدّدة، وأسماء المرشحين، بل توجّهاتهم، أضحت معروفة، وبالتالي أصبحت الكرة الآن في ملعب الناخبين كما يُقال، فبيدهم وحدهم مطلع الأسبوع المقبل تثبيت وتأكيد حقيقة دستورية تقول: إن “المجالس المنتخبة ديمقراطياً على الصعيد الوطني أو المحلي مؤسسات يمارس المواطنون عبرها دورهم في السيادة وبناء الدولة وقيادة المجتمع”، وبالتالي يمكن لهم، في حال قرّروا ذلك وعملوا عليه، إيصال قيادات مؤهّلة لتسيير شأنهم اليومي من جهة أولى، كي تشكّل هذه القيادات، من جهة ثانية، بأدائها الوطني والخدمي الحقيقي، “نقلة نوعية في تحسين مستوى الخدمات والنهوض بالمجتمعات المحلّية في المجالَين التنموي والخدمي، عبر انتخاب مجالس محلّية جديدة تقود العمل المحلّي في المرحلة القادمة، وتُتابع عملية التنمية والنهضة بمشاركة كاملة مع المجتمع المحلّي في كلّ المحافظات”.

 

لا أحد يولد ديمقراطياً

ولأن أحداً لا يُولَد ديمقراطياً، كما هو معروف، فإن الانتخابات الدورية تؤمّن، من جهة ثالثة، تدريباً ثميناً على ترسيخ الديمقراطية الوطنية، فالديمقراطية لا تأتي بالأمنيات والبيانات المنمّقة، ولا بالاكتفاء بـ “البوستات” الناريّة على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، بل بالعمل والممارسة والتجربة والتراكم، والقبول بآلياتها ونتائجها.

وبالتالي فإن مطلع الأسبوع المقبل يضع أيضاً في يد من يتحدّث ناقداً، سواء أكان مغرضاً أم محقاً، عن انتخابات سابقة “أنتجت مجالس محلّية من طرف واحد، تُعبّر فقط عن إرادة حزب البعث وتحالفه الذي يسيطر على جميع المجالس”، القدرة والفرصة على أن يعمل وفق قواعد اللعبة الانتخابية كي يغيّر هذه الصورة، فـ “الحزب” – رغم ملاحظات بعثية داخلية عديدة على طريقة تسمية مرشحيه على أمل أن يحدث لاحقاً “تغييراً جذرياً سواءٌ في المرشّحين أم آليات الترشّح أو طريقة إجراء الانتخابات وآليات الرقابة عليها”، وهذا مدار كلام آخر- لا يفعل إلا ما هو معتاد في “اللعبة” أي التحالفات الناجحة والموسّعة ومحاولة إيصال أكبر عدد من مرشحيه إلى سدّة “القرار المحلي”، وهذا أمر مشروع لا يمكن لـ “عاقل” ديمقراطي الاعتراض عليه، إلا إذا أراد ذلك كغطاء لتبرير تقاعسه وفشله و”نخبويته” وابتعاده عن الناس العاديين وهمومهم المباشرة التي يمكن حلّ معظمها أو تحسينها على الأقل عبر انخراطه في العمل بعيداً عن “تفرّغه” للتنظير للتغيّرات العالمية “الحتمية” والحروب الكبرى!

 

دور الدولة

والحال أن سورية كانت، وما زالت، تواجه استحقاقاتٍ خارجية وداخلية معقدة بعضها يعضد بعضاً، وإذا كان البعض الخارجي مدفوعاً بأطماع وأوهام ونية سيئة، فإن “الأطماع” و”حسن النية” هما دافع بعض الداخلي أيضاً.

لذلك ولأن الحروب تُكسب بالوعي أولاً، ولأن الانتصار العسكري لا يعضده مثل الوعي بركائزه وأسسه، لذلك في الاستحقاقات القادمة، ومنها انتخابات الإدارة المحلية، ننتظر الكثير من “الدولة” في إدارتها للانتخابات، صورة وفعلاً وشفافية، بقدر، بل بأكثر، ما ننتظره من المواطن، لأن نتيجتها -بأسماء وصفات الناجحين وقدرتهم على العمل الخدمي- ستكون جبهة التماس الأولى معه، وخصوصاً أن هذا المواطن، لم يستوعب بعدُ أن صلب العقد الاجتماعي الضمني الذي بينه وبين الدولة، “والمتعلّق بالزبائنية والكرم في توزيع الريوع عبر مجانية الخدمات وانتفاء الضرائب” قد أصبح من الماضي، وأن “المجانية” قد لفظت أنفاسها الأخيرة أو كادت، وذلك تحديداً ما “يفرض تحدّياً جدّياً وجديداً على المجالس المقبلة”، ونجاحها فيه هو نجاح للدولة في صورتها الجديدة، أولاً وأخيراً، وترسيخ للعقد الاجتماعي الجديد بينها وبين المواطن.

 

خلاصة القول

هذه فرصة جديدة ومهمة جداً تقدّمها لنا هذه الانتخابات كي ننخرط، كمواطنين، في عمل إيجابي مثمر، وأن نفعل شيئاً ملموساً بدل أن نتكلم دون طائل، فلِمْ لا نغتنمها اختياراً “بعيداً عن أيّ ولاءات ضيقة، واعتبارات غير موضوعية”، و”عصبيات لا تنتمي إلا للماضي”، ليكون لصوتنا حين يُقال في مكانه الطبيعي، الصناديق، قيمته وفعله الحقيقي.. بدل البكاء الدائم على “اللبن الانتخابي” المسكوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى