تستند لسياسة خارجية واقعية … الهند ترفض اتخاذ أي موقف ضد روسيا

البعث الأسبوعية-هيفاء علي

يجمع الخبراء على أهمية الاستقرار في العلاقات بين روسيا والهند الذي نجا من العديد من التغييرات والتوجهات السياسية العالمية، حيث لم تتخذ الهند أي موقف ضد روسيا في أي منتدى هي جزء منه، وأمنت علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا، وبالتالي الاحتفاظ باستقلالها الاستراتيجي. في الأيام الأخيرة، تعرضت العلاقة بين الهند وروسيا لاختبار شديد، حيث قاومت الهند الضغط الجماعي الغربي لاتخاذ موقف ضد روسيا، من خلال تبني موقف الحياد. وبذلك، اختارت الهند عدم تأييد الجهود الغربية العدائية الرامية لعزل وإدانة روسيا بأشكال دولية مختلفة.

إن سياسات الناتو التي عكستها وثيقته الإستراتيجية الجديدة لمدة 10 سنوات، التي تم وضعها في29 حزيران 2022، هي إعلانات فعلية للحرب الباردة الثانية ذلك أنه بالنسبة لحلف الناتو، فإن التهديد الرئيسي لأوروبا هو روسيا، في حين أن منافسه الرئيسي والتهديد طويل المدى هو الصين، والأخطر اعتبار أي قوة لا تتوافق مع الرغبات الغربية على أنها تهديد. بمعنى آخر، حسب استراتيجية الناتو، إن الحياد غير مقبول في هذا الانقسام وستكون الدول الموجودة خارج الكتل عرضة للضغوط لاتخاذ موقف موات لتلك الكتل والتخلي عن حيادها.

حسابات الهند

امتنعت الهند مراراً عن التصويت على قرارات مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تدين العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وترفض على الدوام المحاولات الغربية لعزل روسيا في المحافل العالمية، ففي محادثته مع الرئيس بوتين، كرر رئيس الوزراء الهندي الدعوة إلى الدبلوماسية والحوار لحل الأزمة الأوكرانية، بينما تواصل الهند الحفاظ على جميع علاقاتها مع موسكو. وبحسب البيانات الرسمية، تستورد الهند حوالي 60٪ من احتياجاتها الدفاعية من روسيا، حيث ظل هذا الإمداد دون انقطاع منذ الستينيات، وهو مدمج في أنظمة الدفاع الهندية، ويعزز الموقع والتعاون وتصدير المعدات العسكرية إلى دول ثالثة. كما تستفيد الهند من عمليات نقل التكنولوجيا والصواريخ والغواصات النووية التي لا تستطيع الحصول عليها في أي مكان آخر.  بالمقابل، تعاونت روسيا مع البرنامج النووي الهندي خلال فترة العقوبات الأمريكية التي استهدفت الهند منذ تسعينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من أن الهند قد نوعت وارداتها الدفاعية، إلا أن روسيا تبقى الأولى في هذا القطاع ومن المتوقع أن تستمر في ذلك في المستقبل القريب.

تُستخدم قدرة الهند على الشراء من الغرب كوسيلة ضغط لتجنب التشريعات الأمريكية مثل قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال سياسة العقوبات الانتقامية والكيدية، حيث تسعى الهند للحصول على إعفاءات من العقوبات من خلال الاستفادة من احتياجاتها وأسواقها. زيادة على ذلك، تشتري الهند النفط بأسعار مخفضة، ووارداتها من النفط الروسي زادت من 1٪ إلى ما يقرب من 6٪ من احتياجاتها (1.2 مليون برميل يومياً في حزيران 2022) وهذا الرقم مرشح للارتفاع أكثر في السنوات القادمة. بالإضافة إلى ذلك، استثمر اتحاد شركات الغاز العامة والخاصة في الهند 10 مليارات دولار في سيبيريا وحقول النفط الأخرى، وتتعاون الهند مع روسيا للتحايل على “صدمة السلع” الناجمة عن العقوبات الحالية اذ لطالما عارضت الهند، مثلها مثل معظم دول الجنوب، العقوبات أحادية الجانب لأنها تؤثر على الأشخاص الأكثر ضعفاً، وهناك محادثات مهمة تدور حول إحياء تجارة الروبية والروبل، حيث دفعت الهند روبية مقابل صواريخها من طراز S-400 ، بالاضافة إلى ذلك تستورد الشركات الهندية الفحم الروسي وتدفع باليوان الصيني، وهي طريقة يقول التجار إنها قد تصبح أكثر شيوعاً.

المصالح الجيوستراتيجية

يتشكل التفكير الجغرافي الاستراتيجي الهندي من خلال النزاعات الحدودية التي لم يتم حلها مع الصين وباكستان، وهي مخاوف تلعب عليها الولايات المتحدة لإقناع الهند بالابتعاد عن الحياد، اذ تحتاج الولايات المتحدة إلى الهند لاحتواء الصين، لذلك تعمل واشنطن على تعزيز الخلافات بين الهند والصين لدعم خطتها الرامية الى سحب الهند إلى جانبها. لكن حتى الآن  تفضل الهند عالماً متعدد الأقطاب، لهذا نراها تتمتع بعلاقات متناغمة مع روسيا والغرب والجنوب.

لقد تحولت الهند نحو السياسات النيوليبرالية، مع إعطاء الأولوية للعلاقات مع الولايات المتحدة، وهو ما يتجلى في زيادة التجارة وتنويع الواردات الدفاعية، كما أن هناك العديد من المجالات التي تحتاج إلى تعميق للحفاظ على العلاقات الروسية الهندية وتسريعها، من أجل تجنب الركود في عالم سريع التغير. وفي هذا الصدد، شجع القادة رفيعو المستوى من كلا البلدين على تعميق التجارة، وعلى الرغم من أن ذلك يعتمد على السوق، يجب على كلا الدولتين تسهيل قنوات أسهل وأقل بيروقراطية. تحتاج روسيا إلى الاستفادة من الشركات المتوسطة والصغيرة في الهند في الوقت الحالي، حيث تخاطر الشركات الكبرى بالتعرض للعقوبات. ويجب أن تستفيد روسيا من سوق العمل الهندي، تماماً كما فعلت دول غرب آسيا، كما تحتاج روسيا إلى تعميق علاقاتها العلمية والتكنولوجية مع الهند، فضلاً عن صناعة الخدمات الضخمة. لذلك يجب على المؤسسات الهندية الروسية تعميق تعاونها، ويجب تسريع المبادرات التي تم اقتراحها  مثل ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، واتفاقيات التجارة الحرة، وتأشيرات العمل، وآليات أفضل لتجارة الروبية والروبل والروابط مع البنوك.

خلاصة القول

تستند السياسة الخارجية الواقعية والاقتصادية الهندية إلى تحليل التكلفة والعائد الذي يظهر أن الهند ستسرع من شراكتها مع روسيا، بينما تطور علاقاتها مع الغرب، حيث يعتبر موقف الهند من الحياد الاستراتيجي بشأن قضية أوكرانيا خطوة إلى الوراء عن ميلها نحو الولايات المتحدة. إن روسيا واثقة من شراكتها مع الهند، والتي تشكل أساساً لإقامة علاقات مادية وشعبية جديدة، لهذا يجب على الأسواق الهندية والروسية اغتنام هذه الفرصة للارتباط مع بعضها البعض.

تسعى الهند للحصول على إعفاءات من العقوبات، لأن ذلك من شأنه أن يعرض واردات الدفاع الهندية من روسيا للخطر. كذلك تشتري الهند النفط بأسعار ميسرة من روسيا، وتستخدم سوقها الهائل، وقدرتها الاستراتيجية والاقتصادية لمواجهة الضغط الأمريكي والتمسك بموقفها الحيادي. لذلك لن تعرض الهند علاقاتها مع روسيا أو الغرب للخطر، بل ستحافظ على هذا الموقف خلال هذه الفترة من التحول الدولي وتراجع العولمة وعدم اليقين، وهي لا تريد أن تكون جزءاً من كتلة من شأنها أن تجبرها على الانحياز، بل سيستمر موقف الهند كدولة محايدة ذات علاقات متناغمة مع روسيا والغرب خلال هذه المرحلة الانتقالية الصعبة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى