السليقة… صناعة محلية ممزوجة بعبق الذكريات والقصص المتوارثة

رفعت الديك

تنهمك معظم الأسر الريفية في السويداء هذه الأيام بصناعة البرغل أو ما يسمى “السليقة” فموسم الحصاد انتهى ولابد من البدء بالمرحلة الثانية وهي تحويل القمح إلى برغل وذكريات الماضي مازالت محفوظة عند الغالبية وقصص العمل رغم اختلاف بعض تفاصيلها مازالت موجودة ضمن أجواء الموسم المفعمة بالتعاون والمحبة والفرح.

بركة الماضي

عمران الجباعي وأسرته واحدة من الأسر في الريف الشرقي بدأ التحضيرات للبدء “بالسليقة” وهي إحدى أهم الطقوس التي مازالت متوارثة هناك، فالكل ينتظر هذا اليوم كل عام بفارغ الصبر لما يحدثه من سعادة وبهجة في قلوبهم وهم يراقبون نضوج حبات القمح الذهبية وهي تنتفخ في الحلة المخصصة لعملية السلق كما يقول الجباعي.

مراحل عدة تمر بها هذه الصناعة بدأ من “التصويل” وهي عملية تنظيف القمح من الشوائب مروراً بالسلق وصولاً إلى التجفيف ومن ثم السميد، مراحل تتطلب عدة أيام -يوضح عمران- أنه وبعد انتهاء حصاد القمح وجمع الموسم يقوم بتحضير قسم من المحصول للسليقة، ومنذ ساعات الصباح الباكر تبدأ التحضيرات حيث يتم تنظيف القمح من الحصى الصغيرة والأتربة بعدها يغسل القمح بالماء لعدة مرات حتى ينظف تماماً ثم تأتي عملية سلق القمح بواسطة الحلة الكبيرة وهي عبارة عن وعاء من النحاس أو الحديد يوضع القمح فيها وتضاف إليه كمية من الماء ويوقد تحتها الحطب وتحرك فترة الغليان حتى لا يلتصق القمح بالحلة.

وتستمر عملية الغلي حتى درجة النضج ليتم نقله فيما بعد إلى سطح المنزل لتعريضه لأشعة الشمس ويترك فترة حتى ينشف ويجف من الماء وبعدها يؤخذ إلى المطحنة ليجرش ويحول إلى برغل.

يتابع: في المطاحن تتم عمليات التسميد وفقاً للنعومة المطلوبة، وقبل الطحن يتم إضافة ماء بنسبة معينة للترطيب من أجل منع تشكل الغبار أثناء الطحن، ويتم فصل ناتج الطحن وفقاً لحجمه إلى أحجام مختلفة، تتميز في استخداماتها المختلفة منها برغل خشن، وبرغل ناعم.

طقوس متقاربه

وتعتبر “السليقة” من أهم الصناعات الغذائية وذلك لأهميتها بالنسبة لأهالي السويداء وتتصف بأنها صناعة يدوية أسرية استهلاكية، ويشير رئيس اتحاد الفلاحين في السويداء سمير البعيني أن الريف السوري يتميز بالعديد من الأكلات الشعبية التي ورثها عن الأجداد ولكل منها طقوسه ومناسباته الخاصة.

ويلفت البعيني إلى أن البرغل مكون رئيس في العديد من الأكلات الشعبية ومعظم العائلات في الريف تقوم بإعداده بعد انتهاء موسم الحصاد مؤونة لفصل الشتاء وتأتي صناعة البرغل بعد انتهاء موسم الحصاد والذي تكون طقوسه مقاربه لطقوس صناعة البرغل لجهة المحبة والألفة التي تسود أبناء المجتمع، ويستذكر البعيني العادات والأعراف الزراعية عند الفلاحين قبل التطور التقني الحالي حيث كانت تربط الفلاحين قديماً روح التعاون ووثائق المحبة دون وجود قوانين ومنظمات وأعراف مكتوبة على الورق

حيث كان المجتمع الفلاحي يزرع الأرض بتوجيهات الفلاحين الكبار يسمونها وجهات للأرض وهي أسلوب على ثلاث مراحل  مرحلة لزراعة القمح والشعير ومرحلة لزراعة القطنيات والمرحلة الثالثة حراثة فقط استعداد للموسم القادم، وعند تحديد موعد الحصاد يتحدد بالأرض الفلانية والواجهة الفلانية من تاريخ معين ويوم معين يسمونها “هدي” كل أهل القرية يذهبون لهذه الهدة ويحصدونها جميعاً حتى تنتهي ومن ثم تحدد واجهة حان حصادها في وقت آخر وهكذا.

كل الناس تحصد سواسية وتعاون فيما بينهم في الحصاد “الحصيدة” وفي فزعات من قبل الناس لبعضهم في موسم الحصاد واتسمت طقوس الحصاد بقيم جميلة وعادات مفرحة تعكس طيبة النفوس آنذاك، فالذهاب إلى الحصاد كالذهاب إلى الحرب يرافقه الغناء الحدى والمجوز وزغاريد الصبايا والنساء تلتقط السنابل من الأرض “لواقيط ” يداً واحدة مع الرجال تساعد في تأمين الموسم هناك مجموعة كبيرة مهمتها الحصاد، وكان أقوى الشباب في الحصيدي يسمونه “القنطرجي” والأجنحة يمين ويسار والجوال مابين اليمين والقلب، وشباب من الحصادة يتميزون بالنشاط يقاتلون القش كأنه عدو لهم “السنابل” يجولون بالقش مابين الجناح اليمين والقلب والجناح اليسار والقلب الحصاد القلب أقوى الحصادين ويرتدي الزينة التي تميزه عن باقي الحصاديين وبعد الانتهاء من عمليات الحصاد تنتقل الأسر الريفية لصناعة البرغل بذات روح التعاون والمحبة.

فطقوس السليقة التي توارثها أهالي الريف والتي اتسمت بالحب والبساطة لم تتغير فقد بقيت محافظة على الأجواء العائلية الجميلة التي تميزت بها منذ القديم -كما يقول خطار عماد- حيث يجتمع الجيران للمساعدة في نقل الماء و”التصويل” وحمل السليقة إلى سطح المنزل لافتاً إلى أن الجيران ومن يمر أثناء إعداد السليقة لا بد أن يأكل منها وتوزع الصحون وترسل مع الأطفال لبعض البيوت البعيدة.

طقوس السليقة لا تكتمل دون ضحكات الأطفال الذين يتجمعون حول الحلة وبحوزتهم صحون صغيرة بانتظار تناول حصتهم المحلاة بالسكر.

ويشير عماد  إلى أنه على الرغم من وجود البرغل الجاهز بكثرة في الأسواق والمحلات التجارية إلا أنها ما زالت الكثير من الأسر تحرص على إعداد مؤونة البرغل بنفسها لتبقى رائحة الماضي أيام الخير والبركة تعبق في الديار.

مسامير الركب

من الأمثلة الشعبية المتداولة حول البرغل أنه مسامير الركب ويعكس هذا المثل الأهمية الغذائية الكبيرة لتلك المادة لما تحتويه من عناصر غذائية هامة منها الألياف، والبروتينات، لذلك فهو يعتبر غذاءً مناسباً وجيداً للنباتيين، أو لمن يحاول اتّباع نظام غذائي صحي، كما يعتبر البرغل مصدراً جيداً لكل من المنغنيز والفسفور والسيلسيوم.

وعند الحديث عن البرغل تقفز للذاكرة أكلتي المجدورة والمنسف العربي اللتان تعدان أكلتان أساسيتان في جبل العرب ورغم عدم معرفة الأقدمين لفوائد البرغل الصحية إلا أن فطرتهم قادتهم لاعتماده غذاءاً اساسياً لتبقى مقولة “البرغل مسامير الركب” هي المعبر الأهم عن فوائد هذه المادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى