رغم أنها “نصف البلد”.. نظرة سطحية تجاه البلديات كرّست دورها الخدمي على حساب التنموي!

دمشق- مادلين جليس

“البلدية نصف البلد”.. لا أدري، ولا أذكر أين، قرأت هذه العبارة على وجه التّحديد، لكن ما أذكره أنها أثارت لدي الكثير من التساؤلات الكبيرة، وخلقت إشارات استفهام متعددة، أنا التي لا أدعي المعرفة الكاملة والواسعة بمضمون العمل البلدي وتوسعه وتشعبه.

لكن السؤال الذي ألحّ عليّ منذ قراءة العبارة: هل فعلاً البلدية نصف البلد؟ وماذا نعرف كسوريين عن صلاحيات ومهام البلديات، وغيرها من المجالس المحلية؟ ماهي معلوماتنا عنها لكي نستطيع القول أن البلدية هي نصف البلد حقاً؟ وهل يعرف المواطنون أن المجالس المحلية تشكل هذه النسبة المهمة في مجتمعاتهم؟ وهل البلديات القائمة، والتي من المفترض أن تمثل مصالح المواطنين وتلبي احتياجاتهم، وتحقق رغباتهم، على المستوى المطلوب لكي يمكن توصيفها بأنها نصف البلد؟

أسئلة كبيرة تدفع للخوض في واقع العمل البلدي أكثر وقراءة القوانين المتعددة والمتعلقة به، وسؤال المتابعين والمختصين، وبنفس الوقت سؤال المواطنين الذين قد لا نستغرب  – في معظمنا – حين نعرف أن إجاباتهم كانت تظهر عدم إلمامهم ومعرفتهم لكل صلاحيات عمل البلديات، بل ولأدنى تفاصيل هذا العمل.

النظافة وهدم المخالفات

قبل أن ندخل في مهام البلديات، وصلاحيات المجالس المحلية، كما هو منصوص عنها بالقانون، أجرينا استطلاعاً بسيطاً بغية معرفة آراء الناس عن عمل المجالس المحلية، وطرحنا السؤال التالي: ما الذي يخطر ببالك حينما تسمع كلمة “بلدية”؟ أو ماذا تعرف عن مهمة البلديات؟

ولكم أن تتخيلوا أن أكثر من 75% من الإجابات كانت تقول أن المجلس المحلي هي الجهة التي تقوم بأعمال النظافة، أما القسم المتبقي فقد قال 15% منه إنه لايعرف أساساً معنى البلدية، وما تقوم به، و5% قالوا إن البلدية لديها اختصاصات ومهام لكنهم لم يقرأوا عنها ولم يعرفوها، أما الـ 5% الأخيرة فقد عدد قسم منهم مهام البلديات وقسم آخر بعضاً منها. فما أسباب تضاءل معرفة المواطن بمهام البلديات إلى هذا الحد؟ وما سبب حصر مفهومها الواسع بصلاحيات ضئيلة؟

 التعاطي في الخدمات فقط!

يرى بشار مبارك الخبير، في الإدارة المحلية، أن معرفة الغالبية العظمى من الناس بعمل المجالس المحلية بسيطة، محصورة بالجانب الخدمي، ومبنية بالدرجة الأولى على موضوع التراخيص الإدارية وتقديم الشكاوي، ونظام ضابطة البناء والتخطيط العمراني وغيرها.

ويشير مبارك أن صلاحيات مجالس الإدارة المحلية تندرج في ثلاثة جوانب: الأول هو الجانب الخدمي، والجانب الثاني تنموي، فالوحدات الإدارية معنية بوضع خطط تنموية لوحداتها الإدارية وتنفيذ المشاركة المجتمعية، والاستثمار الأمثل للموارد المتاحة كما أورد القانون، إضافة إلى التشبيك والتنسيق مع كل الأطراف الفاعلة لكي تضع هذه الخطط التنموية موضع التنفيذ. لكن هذا الجانب – بحسب مبارك – يبقى مجهولاً بالنسبة للمواطن نتيجة عدم مشاركة مجالس الإدارة المحلية له في وضع الخطط، كما أنها تغفل إغفالاً تاماً وضع الخطط التنموية.

أما الجانب الثالث فيتعلق بصلاحيات التنسيق مع باقي الأجهزة والمؤسسات الخدمية، مثل المياه، والصرف الصحي، والكهرباء والهاتف، وغيرها، وأيضاً هذا التنسيق غائب أيضا عن معرفة المواطنين.. والكلام لمبارك.

غياب التشاركية

لكن غياب الوعي بمهام وصلاحيات مجالس الإدارة المحلية ليس وليد اليوم، فهو قديم، ولا يمكننا أن نعود فعلاً لبداياته الحقيقية، لكن يمكننا التفصيل بعض الشيء في الجهات المسؤولة عنه.

ثلاثة جهات تتحمّل مسؤولية عدم وعي المجتمع المحلي بمهام مجالسه، بحسب ما ترى نجوى الطويل، عضو مكتب تنفيذي سابق في مجلس مدينة شهبا في السويداء، حيث ترى أنه يمكننا أن نحمل المواطن مسؤولية عدم الوعي هذا، فهو غالباً لا يهتم بالقضايا المحلية، أما الجهة الثانية فهي الحكومة والمنظمات المحلية التي تعمل على الأرض، والتي تتحمّل جزءاً كبيراً من هذه المسؤولية من خلال توسيع حيز الوعي وخلق مساحة حوار مع مجتمعاتها، أما الجهة الثالثة فهي المجالس المحلية نفسها، والتي المسؤولية الأكبر في غياب الوعي بمهامها أو بصلاحياتها أو حتى بأعضائها.

وتشير الطويل إلى واجب هذه المجالس بدعوة المجتمع المحلي لاجتماعاتها ولقاءاتها، سواء في المراكز الثقافية أو حتى في المجلس نفسه، لكنها تنوّه إلى أن الواقع الاقتصادي والمعيشي وخاصة خلال الحرب جعل هم المواطن منصباً على الأمور المعيشية.

وتؤكد الطويل أن عملية التشاركية بين المجالس المحلية والمجتمع المحلي عملية تبادلية قادرة على خلق مساحات حوار واسعة فيما لو تمت بالشكل الصحيح، فحين تقوم هذه المجالس بمشاركة المجتمع المحلي اجتماعاتها، وأخذ رأيه في خططها التنموية سيكون المواطن بالمقابل راضياً عن الخدمات المقدمة له، فهو في هذه الحالة شريك في صنع القرار وبالتالي في تحمل المسؤولية، الأمر الذي سينعكس حتماً – برأيها – على جودة الخدمات المقدمة، وتنمية المحليات اقتصادياً وثقافياً وعمرانياً، وسيساهم أيضاً في تنفيذ الخطط التنموية بفاعلية أكبر، وبالتالي سنصل لتحقيق الأهداف التي نص عليها القانون.

“نص البلد”

إن العودة إلى قانون الإدارة المحلية رقم 107، للعام 2011، توفر لنا تفاصيل واضحة لمهام وصلاحيات مجالس الإدارة المحلية. وهذه المهام والصلاحيات والأعباء الملقاة على عاتق المجالس المحلية، ستمكننا أن نجيب على أسئلة كثيرة، وبالتالي العودة بنا إلى نقطة البداية وهي أن البلدية ليست للنظافة، أو لردم الحفر في الطرقات، أو لهدم المخالفات فقط.. بل هي حقاً “نصف البلد””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى