عبد النبي حجازي

حسن حميد

أجل، ثمّة أدباء وكتّاب مطرحهم القلب، سواء أكنا التقينا بهم، أم لم نلتقهم. أدباء وكتّاب لهم المقدرة على التأثير والحفر المعرفي، ليس لخصوبة إبداعهم فحسب، وإنما لخصوبة سيرتهم الذاتية أيضاً، وهم قلة نادرة، وهذا شأن كلّ جميل ونايف في الحضور والمكانة.

من هؤلاء الأدباء الكبار، الذين لهم مطرح في قلبي، الأديب عبد النبي حجازي (2013 – 1938)، السّارد الذي أغنى مدوّنة السّرد السّورية بالكثير من أعماله الروائية والقصصية التي انتقل بعضها إلى عالم السينما والتلفزيون لما فيها من جماليات المعاني والمباني والغنى الثقافي والاجتماعي، وحضور القيم النبيلة التي دهمتها المصالح والنوازع وطيوف الأنانية.

عبد النبي حجازي، من بلدة جيرود في ريف دمشق، وهي منطقة تمتاز بالإبداع المستند إلى حضارة بعيدة في أغوارها، خصبة في تلاقي طيوف ثقافاتها القديمة فوق أراضيها، درس اللغة العربية في جامعة دمشق وتخرج فيها، وعمل مدرساً في الثانويات السورية، ثم درّس العربية في الجزائر، واقتحم عالم السرد، فكتب روايته الأولى (قارب الزمن الثقيل) التي عبّرت عن المشاعر التي راكمتها حرب 1967، ولكن ليس من أجل الأحزان والندب، وإنما من أجل فتح النوافذ والأبواب والدروب نحو المستقبل، فالهزيمة لا تعني انتهاء الحياة، وإنما تعني استعادة الثقة، وبناء النفس من أجل الظفر، ومحو آثار الهزيمة.

روايته (قارب الزمن الثقيل) صدرت في عام 1970، في زمن ازدهار كتابة القصة القصيرة وحضورها في عواصم الثقافة العربية، وقد لاقت الرواية صدى طيباً من النقاد والأدباء والقراء، وأعاد عبد النبي حجازي كتابتها على شكل سيناريو لتكون مادة للفنون البصرية، سينما وتلفزيون، ثم أتبعها بروايات (المتألق) و(المتعدد) و(الياقوتي)، و(الصخرة) و(صوت الليل يمتد بعيداً)، و(زهر الرمان)، وكان همّه الأول في هذه الروايات كتابة الحياة الاجتماعية، وبواقعية لا ترهل فيها، ولا استطالات، والوقوف على الظواهر العامة وكشف ما استبطنته من أسرار، والتعبير عن الصوت الجماعي في أثناء الارتجافات الاجتماعية الكبرى التي عصفت بالحياة، ورصد الثنائيات المتضادة ما بين عالمي الريف والمدينة.

عبد النبي حجازي، شأنه شأن الكثير من الكتّاب والفنانين، فهو لم يتفرغ للكتابة الإبداعية، وكان لديه من الشواغل الإدارية الكثير، ولاسيما حين تسلّم مسؤولية المدير العام للإذاعة والتلفزيون مدة عشر سنوات، فقد وصل ليله بنهاره من أجل القيام بأعباء هذه المسؤولية الشّاقة والمتطلبة أيضاً، ولكن مع ذلك كانت كوامن الموهبة والأشواق الإبداعية تطالبه بتتميم تجربته الإبداعية والإضافة عليها بين وقت وآخر، وقد كتب القصة القصيرة، والسيناريوهات الخاصة بالدراما، للتلفزيون، والسينما، وحظيت أعماله بقراءات نقدية مهمّة لنقاد مهمّين من بينهم: د. فيصل درّاج، حنا عبود، د. سمر روحي الفيصل؛ ونقلت بعض رواياته، ولاسيما (صوت الليل يمتدّ بعيداً) إلى لغات عالمية عدة مثل الإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، كما عمل عبد النبي حجازي في الصحافة الثقافة سنوات طوالاً، وبذلك تكشّفت أمامه خريطة الثقافة السورية والعربية في آن، وشغل أيضاً مسؤولية الإدارة في اتحاد الكتّاب العرب، فأسّس جريدة الأسبوع الأدبي التي هي أول جريدة أدبية في الوطن العربي.

وقد قيّضت لي الظروف أن أتعرّف إلى عبد النبي حجازي، حين كان رئيساً للجنة تحكيم مسابقة أحد المهرجانات الثقافية للقصة القصيرة، وبعد أن ظفرت قصتي بجائزة المهرجان، وقد جالسته مرات بعد المهرجان القصصي، فرأيت فيه المبدع الرصين، والمثقف المشبع بروح التراث، وجمال اللغة العربية، وصاحب الاطلاع الواسع على المشهدين الثقافيين في الوطن العربي والعالم، وقد ضمّني إلى الفريق المؤسّس لجريدة الأسبوع الأدبي قبل صدورها، وكان لي الأديب الأب الذي راح يسألني عن كتابتي، والعين الباصرة والموجّهة لي نحو دروب الإبداع البكر، والرائي الذي عرّفني أسرار علم النص ومتطلباته.

عبد النبي حجازي أديب كبير، وصاحب مدوّنة سردية على غاية من الأهمية، نال شهرة هي أقلّ بكثير من مكانته الإبداعية، كان رجلاً في الحياة، ورجلاً في الإبداع.

Hasanhamid55@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى