اقتصادصحيفة البعث

إنتاج الإسمنت لم يتراجع وإنما كافأ الطلب.. مطالبة بتشكيل فريق وطني للمنتجين يوحّد القرارات المبعثرة

دمشق – مادلين جليس 

كغيره من القطاعات المهمة في سورية، يعاني قطاع الإسمنت من جملة من المعوقات المتلاحقة التي سببت أزمات متلاحقة بدءاً من تراجع الإنتاج، مروراً بقلة الطلب، وليس انتهاء بسوء تصريف المنتج وغير ذلك.

وعلى الرغم من أهمية وحيوية هذا القطاع الذي يشكّل الواجهة الأولى لمرحلة إعادة الإعمار، إلا أن الحقيقة المرّة التي ينطوي عليها لا تشي بإعمار حقيقي.

يرى المطلع على الأرقام التي تعلن عنها المؤسسة العامة للإسمنت تراجعاً واضحاً في الكميات المنتجة خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. فقد أنتجت المؤسسة لغاية شهر تموز من العام 2022 ما يقارب 960 ألف طن إسمنت، بينما أنتجت في الفترة ذاتها من العام 2021 ما يقارب 1250 ألف طن، وهذا يعني تراجعاً في الإنتاج بنحو 300 ألف طن.

لكن هذه الأرقام لا تعني التراجع، بل هي الأرقام الحقيقية للطلب في السوق، بحسب تصريح مدير المؤسسة العامة للإسمنت، المهندس مروان الغبرة، الذي يرى أن إنتاج هذه المادة يجب أن يكون دوماً على حسب الطلب، فالإسمنت مادة لا تخزن لفترات طويلة، ولذلك من المفترض أن يصرف كل المنتج منه، مؤكدا أنه في فترات قلة الطلب على مادة الإسمنت، يتم تصنيع الكلينكر فقط،  مشيراً إلى أن الأسواق اليوم تعاني من الجمود وخاصة بعد رفع رسوم تراخيص البناء.

سليم لكنه أثر على المضاربة

وبرغم الكثير من الشكاوي التي وردت بتوقف البناء وتوقف الطلب على تراخيص البناء، بسبب الارتفاع الكبير للرسوم، إلا أن مدير المؤسسة العامة للإسمنت يرى القرار سليماً، فقد أثر على المضاربة بمادة الإسمنت تأثيراً إيجابياً، من حيث ضبط حالات التلاعب في الأسواق، والمتاجرة بالمادة، لذلك وصف قرار رفع رسوم التراخيص بأنه خطوة مهمة باتجاه ضبط الاستهلاك، بالتالي -كما يؤكد الغبرة – فإن إنتاج الإسمنت الذي تراجع أو الكميات المنتجة حالياً هي الرقم الحقيقي للطلب على الإسمنت، وليس كما كان في الأعوام السابقة.

إشاعات لا حقيقة لها

ويؤكد جبرائيل الأشهب مدير مجموعة “سيم تك” ما جاء به مدير مؤسسة الإسمنت من أن الإنتاج الحالي هو الكمية الحقيقية المطلوبة في السوق، مبينا أن الطلب على المادة متواضع حاليا في سورية، سواء من القطاع العام أو الخاص، ولذلك فالكميات المنتجة متواضعة، معتبرا أن ما يتم الحديث عنه من أن الكميات المنتجة لا تكفي حاجة السوق مجرد إشاعات لا حقيقة لها.

ويضيف الأشهب أن الطلب هو ما يحدد كمية الإنتاج، وفي مصانع الإسمنت كلما اقترب الإنتاج من الطاقة التصميمية، كلما كانت كفاءة الإنتاج أفضل وكلما كانت الكلفة أفضل.

 قرار الإسمنت مبعثر 

وعلى ما يبدو، فإن أهمية هذا القطاع لا تنعكس على آلية العمل به خاصة أن قراره “مبعثر” كما وصفه الغبرة، فملف الإسمنت يتعلق بخمس محاور هي الإنتاج والاستهلاك والتمويل والطاقة والمواد الأولية، لكن هذه المحاور تتوزع على الوزارات، فقرار التمويل بوزارة المالية، وقرار الإنتاج بوزارة الصناعة، وقرار التسعير والتسويق بوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.. وهكذا.

اتحاد لمنتجي الإسمنت

واستنادا لما تقدم، كانت المطالبة بإنشاء فريق وطني لمصنّعي الإسمنت، وهذا كان من توصيات مؤتمر صناعة الإسمنت الذي عقد مؤخراً، حسبما يشير مدير عام مؤسسة الإسمنت. أما عن أهمية هذا التجمّع، بغض النظر عن تسميته، فإنه سيجمع كل المحاور المذكورة سابقاً، وسيضم ممثلين عن الجهات المسؤولة عن هذه المحاور، وبذلك ستكون الرؤية متكاملة، وتصدر القرارات منظمة وموحدة ومدروسة، وسيتم دراسة ملف الإسمنت بدقة وموضوعية.

التخصص 

كما أن أهمية تشكيل اتحاد منتجي الإسمنت – كما يرى الأشهب – تكمن في تكوين الفريق الاستشاري الذي سيبلور الرؤية حول واقع صناعة الإسمنت، وتقديمها بما يجب أن تكون عليه سواء في القطاع العام أو الخاص، إضافة إلى تنويع المنتجات في سورية، التي لا تتجاوز خمس أنواع فقط، ويمكن وصفها بالفقيرة في سورية، ففي البلدان الأخرى هناك عشرات الأنواع من الإسمنت، وهذا التنوع، وفقاً للأشهب، يساعد على التخصص، شأنه شأن أي قطاع كلما تضمَّن تخصّصا كلما استطاع أن يلبي بشكل أفضل حاجة الأفراد أو شركات المقاولات.

صعوبات جمّة

وكما كل الصناعات والقطاعات المنتجة في سورية، يعاني قطاع الإسمنت من صعوبات جمّة إلا أنه يحظى بالنصيب الأكبر والأصعب منها. ويرى المهندس الأشهب أن حوامل الطاقة  تقف في الصف الأول من هذه الصعوبات، فصناعة الإسمنت شرهة للطاقة بأنواعها: الكهربائية والحرارية، إضافة إلى أن رأس المال المستثمر ضخم في هذه الصناعة، فلا يقل عن 200 أو 300 مليون دولار، ورأس المال هذا يعاني بسبب ضخامته من مشاكل تحويل الأموال، كما أن تجهيزات مصانع الإسمنت في غالبيتها مستوردة، ولا تُصنّع محلياً، وشحن هذه التجهيزات يشكل صعوبة فائقة، وخاصة بسبب العقوبات المفروضة على سورية والتي يعرفها الجميع.

إضافة إلى هذه المعوقات – يتابع الأشهب – هناك مشكلة أخرى باتت تعترض القطاع وخاصة في السنوات الأخيرة، وهي مشكلة نقل المادة بحسب الغبرة، حيث أكد أن هناك حاجة أكبر لمادة الإسمنت في المناطق الشرقية، لكن النقل يقف أمام طلب الكميات الأكبر، إضافة إلى “عدم وجود تعاون مبرمج أو موثق مع القطاع الخاص”، بحسب تعبيره.

التدريب.. الاستثمار الناجح 

ويؤكد الأشهب أن قطاع الإسمنت شأنه شأن باقي القطاعات في سورية عانى من أزمة في الكفاءات العاملة النادرة، بفعل سنوات الحرب وتداعياتها من هجرة واستشهاد وتدمير بنى تحتية وسرقة مصانع وغير ذلك.

وأضاف: بحكم القرب الجغرافي للأردن من سورية، يمكن أن يتم العمل بين الجانبين في موضوع التدريب، ويمكن أن يكون حل أزمة الكفاءات في هذا القطاع من خلال التدريب والتأهيل، وتمكين العاملين فيه، لافتا  إلى وجود بدائل عن التدريب وهو استقدام العمالة سواء كانت شركات أو أفراد، لكن هذه البدائل غير دائمة، كما أنها أعلى كلفة.

وحول التساؤل الذي يطرح نفسه وهو: هل من الممكن أن تتكرّر تجربة خسارة الكفاءات المدربة؟ يجيب الأشهب قائلا: في حال خلق البيئة المناسبة والمقابل المادي السليم، وبوجود الميزات الممنوحة التي تتطور مع الوقت، لا أظن أنه سيكون هناك من يفضل الهجرة على العمل في بلده.