توءَمة شعرية بين دمشق وبغداد في ذكرى الحركة التصحيحية المجيدة

ملده شويكاني

“الشعر ديوان العرب” الذي يؤرّخ ويوثّق الأحداث التاريخية التي تعصفُ بالأمة، فلابدّ أن يكون الشعر حاضراً بقوة في احتفالات شعبنا بالحركة التصحيحية المجيدة، يستذكر ويستحضر مواقف القائد الخالد حافظ الأسد.

وبمشاركة من المنتدى الثقافي العراقي في دمشق، تمّ الاحتفاء بالشاعر العراقي طلال الغوار أثناء زيارته سورية بتوءَمة شعرية بين دمشق وبغداد بمشاركة الأديب د. نزار بني المرجة وإشراف الأستاذة منى هيلانة أمين سر قيادة قطر العراق في القيادة المركزية.

وقد تنوّعت القصائد بمضامينها التي تناولت المقاومة ومواجهة الإرهاب، ووصفت المشهد المؤثر للشهيد، كما خرجت من الإطار القومي والوطني إلى وجدانيات ذاتية وإنسانيات.

الحركة التصحيحية والنصر

ويرى الشاعر طلال الغوار في حديث لـ”البعث” أن الشعر ضمير الأمة يعبّر عن أحزانها وآمالها وتطلعاتها، متابعاً: ونحن نستعيد هذه الذكرى الجميلة للحركة التصحيحية التي أعادت إلى سورية وجهها الحقيقي، وإن جاءت اليوم بأوضاع صعبة بسبب الحصار وتبعات الحرب، إلا أننا نُكبر صمود الشعب السوري الذي أوصله إلى النصر.

حكاية اللصوص

وقرأ الغوار قصائد متنوعة من أشعاره التي ارتبطت بالطبيعة كعنصر أساسي برمزية واستعارات عن الوطن والشخوص والزمن، فكانت الشجرة الحاضرة دائماً وكذلك النهر، وقد غلبت عليها التفعيلة، منها قصيدة “رواية” التي روى من خلال مفرداتها حكاية لصوص الوطن الطامعين والعاملين على تفتيته على لسان الرواية:

“قيل:

إن الوطن شجرة

وارفة الخضرة

لكن…

يتفيأ ظلالها الأغراب

وهناك

رواية أخرى

تقول:

يتفيأ ظلالها اللصوص”.

وكانت قصيدة الشهيد أكثر تأثيراً ووقعاً بوصفه المشهد المؤلم بعدما ضمّنها حوارية مع الشمس:

قال أحدهم:

رأيتُ يد الشمس

تلملم أشلاءَه

وأخذته إليها”.

وأشار إلى بغداد في قصيدته بغداد مبيّناً برمزية أهوال الحرب التي تعرّضت لها هذه المدينة التاريخية، فاستهلها بالسؤال والاستفسار:

“لماذا كلما أشرتُ

إلى خريطة أحلامك

أيها الوطن

تأوهت بغداد

بين أصابعي”.

الحب والحرب

كما دمج الغوار بين تفاصيل الحرب والاشتباكات والحب بتداخل جميل بين السواتر والخندق وأتون الحرب، التي لم تستطع أن توقف النبض الخافق بالقلب بقصيدة أحلام في خندق” تمسكين يدي ثم نمشي بين الخنادق”.

ومضات غزلية

وتابع الغوار أن الحركة التصحيحية حملت معها النهوض والبداية من جديد، والحب يحمل معه بدايات جديدة، فقرأ قصائد قصيرة أشبه بومضات شعرية، بين الغزلية والعاطفية، من أجملها قصيدة البحر:

“امرأة تجلس على رمل الشاطئ

وتغري بأنوثتها الموج

خذها وضمها إلى صدرك

أيها البحر”

أكبر من الجغرافيا

أما الشاعر نزار بني المرجة فاستحضر مواقف القائد الخالد حافظ الأسد مستذكراً شخصيته الفريدة التي “جعلتَ من سورية قلعة منيعة أكبر بكثير من الجغرافيا والمساحات المحدودة”، وتابع في حديثه لـ “البعث” أن الحركة التصحيحية المجيدة أرست قواعد أصيلة مكّنت سورية من الصمود والنصر على أعتى حرب عرفها العالم، فتلك النهضة التي حدثت في سنوات التصحيح كانت كفيلة لتضمن لسورية انتصارها.

وتنوّعت القصائد التي ألقاها الشاعر بني المرجة بين التفعيلة وقصيدة النثر التي غلبت عليها، مؤكداً على الانتماء والتمسك بالأرض، مبتدئاً بقصيدة” نينوى.. جرح ناي” تجمع بين بغداد ودمشق في مواجهتهما الإرهاب:

“آن يغادرك الشوق

ويفنيك الزخرف

آن يظنّ بأنك حيّ ترزق

في ظل الموت الشاسع

آن يوافيك –الخبر العاجل- بالأشلاء

أشلاء الأخوة والأبناء..”.

آهات النسوة

وتعمّق أكثر بوصف الفكر الظلامي لداعش في قصيدة “كان شيطاناً”، ليعود إلى وصف التوءمة بين بغداد ودمشق في قصيدة “طائر”:

“جناحان لقلب واحد

أنت عاشق للماء

وأنا عاشق للمفاجأة

أحدنا تميته النار

والآخر يميته الجليد

رصيدنا الحزن

وانتظار الفرح”

النهر وداعش

القصيدة الملفتة التي ألقاها بني المرجة هي قصيدة “قصر البنات” التي عاد فيها إلى ألف عام خلت، إلى هارون الرشيد وقصر البنات المشيّد بالرقة، إلى النهر الذي مازال حياً، فعبْر حوارية افتراضية قارن بين ماضي القصر وما حلّ به بعد هجوم داعش والتخريب والدمار، وتطرق فيها إلى العلاقة الجغرافية والإنسانية التي تربط بين الرقة وبغداد متوقفاً عند سور بغداد وبابها في ظل النخيل، ليصل في قفلة القصيدة بإيقاع حركي بدلالة النهر وحركة المياه إلى الانتصار والاستمرار، استهلها بالجملة التي كانت مفتاح القصيدة وتكررت بين المقاطع “تأخرت ياسيدي ألف عام”:

“تأخرت ياسيدي ألف عام

جفّ حبر الزمان

لكنه النهر ما جفّ

مازال يجري ويجري”

ليصل بالقفلة المؤثرة إلى ما يرمي إليه:

“والنهر يجري ويجري

ويروي جموع العطاش

ويروي الحكاية”

كما قرأ قصيدة تماهت فيها الذاتية مع الأرض برمزية إلى أمه التي رحلت مؤخراً:

“أمي تؤجل موتها

كي تطمئن على الحياة”.