أين سينتهي المطاف بالأسلحة الأمريكية المرسلة لأوكرانيا؟

البعث الأسبوعية- سمر سامي السمارة

قبل عام  مضى، كان العالم بأسره يناقش مصير الأسلحة التي أرسلتها الولايات المتحدة إلى أفغانستان، والتي انتهى بها المطاف في أيدي الإرهابيين والعصابات المسلحة.

قال بايدن: ” إن إجمالي الإنفاق العسكري الأمريكي على العمليات العسكرية في أفغانستان منذ عام 2001 لغاية عام2021 تجاوز 2 تريليون دولار، وبلغ إجمالي المساعدات العسكرية الأمريكية للجيش الأفغاني 88 مليار دولار. وبذلك تكون واشنطن قدمت للقوات المسلحة الأفغانية على مدى عشرين عاماً من العمليات العسكرية في البلاد، معدات وأسلحة وذخائر عسكرية مختلفة تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات”.

بعد الخروج المشين للولايات المتحدة من أفغانستان، لم يقتصر الأمر على بقاء ترسانة ضخمة من الأسلحة في أيدي حركة طالبان، لكن هذه الأسلحة ظهرت أيضاً في الأسواق السوداء، التي استغلتها المجموعات الإرهابية المتطرفة والشبكات الإجرامية المختلفة، بما فيها تلك الموجودة في أوروبا.

ادعى عضو الكونغرس الأمريكي جيم بانكس في شهر آب عام 2021 أن طالبان كانت تمتلك أكثر من 75 ألف مركبة، و 200 طائرة، فضلاً عن وجود مئات الآلاف من الأسلحة الخفيفة في أيديهم. وعلى وجه الخصوص، كانوا يملكون طائرات هليكوبتر هجومية من طراز ” بلاك هوك” وحدها أكثر من بعض الدول الأعضاء في الناتو.

ثم ثبت عدم جدوى محاولات معرفة مكان وعدد الأسلحة التي قدمتها الولايات المتحدة. ومع ذلك، بعد أكثر من عام، لا يملك  البنتاغون أدنى فكرة عن حجم المعدات العسكرية التي تركها بالفعل في أفغانستان وفي أيدي من بخلاف طالبان.

نص تقرير المفتش العام للبنتاغون الذي صدر في شهر آب من هذا العام، على أن القيمة الإجمالية للمعدات العسكرية المرصودة لقوات الدفاع، والأمن الوطنية الأفغانية بلغت 7.12 مليار دولار تقريباً. ومع ذلك، كما تؤكد وسائل الإعلام الأمريكية، اعترف المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان مؤخراً، بأن البنتاغون قد عارض لسنوات الاحتفاظ بسجلات دقيقة للمعدات التي نقلها إلى قوات الدفاع والأمن الأفغانية، وبالتالي فإن الحجم الحقيقي لهذه الترسانات العسكرية غير معروف. وبحسب تقارير إعلامية، فإن بعضاً منها قد بدأ بالفعل في الظهور في النزاعات المسلحة في إفريقيا والشرق الأوسط وأماكن أخرى، وانتهى به المطاف في أيدي المجرمين والعصابات المسلحة.

في الواقع، برزت هذه  القضيته مؤخراً -بشكل خاص- في ظل خلفية الوضع نفسه، أي مع ضخ واشنطن غير المنضبط لأسلحة مختلفة إلى أوكرانيا لدعم نظام النازيين الجدد في كييف، وجر دولاً أوروبية بالإضافة إلى الدول من مناطق أخرى إلى هذه السياسة المتهورة.

ووفقاً لما ذكره رئيس الوزراء الأوكراني دينيس شميغال خلال اجتماع حكومي في 18 تشرين الثاني الجاري، تلقت أوكرانيا بالفعل 23 مليار دولار من الدعم المالي من الشركاء الدوليين منذ بدء العملية الروسية الخاصة، بما في ذلك 4.8 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي، و 8.5 مليار دولار من الولايات المتحدة، وأضاف أن كييف تتوقع مساعدة أخرى بقيمة 37.7 مليار دولار من الولايات المتحدة.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذه الأرقام أعلى بكثير من كميات الأسلحة الموردة لأفغانستان، إذ من المتوقع أن تكون العواقب السلبية لإمدادات الأسلحة الأمريكية غير المنضبطة أكبر بكثير.

وبحسب تقارير وسائل الإعلام، أرسلت الدول الغربية أو التزمت في الأشهر الأربعة الأولى فقط من بدء العملية العسكرية الخاصة لروسيا في أوكرانيا، بتزويد كييف بأسلحة تبلغ قيمتها 38.5 مليار دولار. وبحسب معهد “استوكهولم” الدولي لبحوث السلام، فإن هذه النفقات أكثر من النفقات العسكرية لدول مثل إيطاليا أو أستراليا أو كندا أو بولندا للعام الماضي.

ووفقاً لمكتب التحقيقات الوطني الفنلندي، انتهى المطاف بالأسلحة التي تم توريدها لأوكرانيا- ليس فقط الأسلحة الصغيرة- في أيدي المجرمين الأوروبيين، وقد تم العثور عليها بالفعل في فنلندا والسويد والدنمارك وهولندا. كما حذر جهاز الشرطة الأوروبية، “يوروبول” في الصيف الماضي من أن المنظمات الإجرامية الدولية كانت تحاول تهريب أسلحة من أوكرانيا إلى دول الاتحاد الأوروبي. و أكد تحقيق أجرته صحيفة ” اكس برس” النمساوية في وقت سابق أن الأسلحة التي أرسلتها أوروبا والولايات المتحدة إلى إدارة زيلينسكي تختفي وينتهي بها المطاف إلى الجماعات الإجرامية في الدول الأوروبية، حيث أن طرق تهريب هذه الأسلحة من أوكرانيا معروفة جيداً، وغالباً تكون عن طريق مجموعات دولية مما يسمى بعصابات راكبي الدراجات، فضلاً عن الموانئ البحرية التي لا تخضع لحراسة دقيقة مثل المطارات.

ما يحدث اليوم  يذّكرنا بما حدث بعد الحروب التي شنها الغرب في تسعينيات القرن الماضي في يوغوسلافيا، حيث دخلت الأسلحة المهربة إلى العديد من البلدان، وفي 2 تشرين الثاني 2020، تم استخدام هذه الأسلحة لشن أسوأ هجوم إرهابي للمتطرفين في النمسا.

تعرب بعض وسائل الإعلام الأمريكية عن قلقها البالغ إزاء تخصيص واشنطن غير المنضبط لمليارات الدولارات للأسلحة لنظام كييف الإجرامي، مؤكدةً أن لا أحد في الولايات المتحدة يعرف بالضبط أين تذهب جميع الأسلحة، والمساعدات النقدية التي يرسلها البيت الأبيض إلى أوكرانيا.

نظراً لتكرار هذا النمط من الإمدادات غير المنضبطة لترسانة ضخمة من الأسلحة من قبل الولايات المتحدة خلال الحرب، في يوغوسلافيا، ثم في أفغانستان والآن في أوكرانيا، فليس سراً أن ظهورها في الأسواق السوداء مربح للغاية للولايات المتحدة.

لا يقتصر الأمر على أن “تجارة الأسلحة” هذه هي مخطط فساد راسخ لدى الولايات المتحدة التي تتهرب من أي مسألة، إذ لا بد من التذكير بأن هذه الأسلحة المهربة، التي عادت إلى الظهور منذ عقود، تعمل على زعزعة الاستقرار وخلق صراعات جديدة، وإنشاء بؤر ساخنة جديدة، حيث تنجح واشنطن في دعم جيوبها.

عند العودة لأوروبا، بما في ذلك اللاجئين الأوكرانيين، فإن هذه “المساعدة العسكرية” المزعومة، والتي يزداد نشاط جوزيب بوريل في الدفاع عنها من المنصة الأوروبية، يمكن أن تطلق رصاصة على دولة من دول الاتحاد الأوروبي في أي وقت، خاصةً إن مثل هذه “المساعدة” لا تقتصر على تسليح المجرمين والإرهابيين، بل تشمل أيضاً تشكيلات النازيين الجدد التي أعيد إحياؤها بنشاط من قبل بعض القوى العسكرية والسياسية في الولايات المتحدة وأوروبا ليبقى لكن السؤال الذي يطرح نفسه إلى أين ستذهب هذه الأسلحة في القادم من الأيام؟.