ثقافة

“انعتني بالمجنونة” دور المجتمع في معالجة الأمراض النفسية

مازالت الأمراض النفسية دائرة مغلقة يدور في فلكها المصابون بها فتتغلغل أقطابها في ثنايا الذات وتقودهم إلى سراديب مظلمة توصلهم إلى العزلة التامة ،وقد عُرض في الأوبرا ضمن مهرجان أفلام حديثة جداً فيلم “انعتني بالمجنونة” وهو مؤلف من خمسة أفلام قصيرة اتخذ سمة التوعوية أكثر من الروائية وبدا متسماً بالغرائبية في البداية من حيث الإخراج والطرح،إذ اعتاد الجمهور على متابعة الأفلام الروائية الطويلة ذات المنحى الرومانسي أو الإجرامي أو التابعة للخيال العلمي،والاختلاف بأن هذا الفيلم أثار بمباشرة مسألة شائكة في مجتمعاتنا العربية خاصةً فتطرق إلى حالات الإصابة بأمراض نفسية تتفاقم حدتها إثر شدّات وأزمات تتمكن من الإنسان وتترك انعكاساتها السيئة تبدل سلوكياته اليومية فيستسلم وفي حالات كثيرة يصل إلى حافة الانهيار،ورغم أن المخرجين المتعاقبين على إخراج الأفلام الخمسة ركزوا على الطاقة الإيجابية التي دفعت المصابين إلى تقبل فكرة العلاج والإصرار على الشفاء،وعلى دور المجتمع في تقبل المرض النفسي ومساعدة المصاب للشفاء منه،إلا أن كاميرا الفيلم الأول جالت بذكاء في أرجاء المصح الأشبه بالمنتجع لتصوّر بصمت حالات صعبة لم يتم الشفاء منها،وبقي المصاب أسير حركات هستيرية وفي حالات يصل إلى مرحلة عدم القدرة على تناول الطعام،وفي لقطات متتابعة يحاول السارد الاعتراف بأنه من الصعب الشفاء التام من المرض النفسي لكن من خلال العلاج يستطيع المريض أن يشفى بدرجة كافية تمكّنه من العودة إلى حياته الطبيعية.
في هذه الأفلام الخمسة تضعنا الكاميرا بلغة سينمائية واقعية تماماً إزاء إصابات مختلفة لأشخاص يعانون من أمراض نفسية دون رابط بينهم وتترك النهايات مفتوحة،لكن في النهاية نصل إلى خطّ درامي يربط بين الأفلام ويغلق الدوائر على غرار مصطلح المتصل –المنفصل.
النقطة الأساسية التي اتفق عليها المخرجون هي تقبل فكرة العلاج من قبل المصابين ودور المجتمع والمقربين منهم من مساعدتهم لتخطيهم هذه المرحلة الصعبة،والأمر الملفت كما رأينا أن المصاب كان يعيش حياة طبيعية تماماً وإثر شيء غامض يصاب بالمرض النفسي مما يؤكد أن المرض النفسي مثل أيّ مرض عضوي.
المخرج برابس دالاس مع كاتب السيناريو دير أكونور يتطرقان إلى أعراض مرض الفصام من خلال شخصية لوسي الطالبة في كلية الحقوق التي تعيش في صخب أصوات لايسمعها أحد إلا هي،وتقودها إلى ارتكاب تصرفات عدوانية كإقدامها على إغلاق الباب ومحاولة خنق أختها الصغيرة بالثوب،لكنها تفاعلت مع المعالجة وأصرّت على متابعة دراستها ومما ساعدها وجود صديق لها في المصح،وكان فيلم غريس أكثر إنسانية وشفافية إذ حملت طفلة صغيرة مسؤولية أمها المريضة بحالة اضطراب ثنائي القطب التي تلتجئ إلى الظلمة حيناً وتتصرف تصرفات طائشة في مواقف كثيرة،ولم تغفل المخرجة لورا ديري بالتعاون مع كاتب السيناريو هوارد موريس النوازع الإنسانية في داخلها كبحثها عن بحيرة تضع في مياهها الأسماك الصغيرة لتعيش بحرية. وفي فيلم آيدي تتضح صورة مريض الاكتئاب، فيبتعد عن عمله وعن مقابلة أصدقائه رغم أنه إنسان مرح وناجح جداً في عمله في العروض الضاحكة ويعيش سعيداً مع زوجته.الفيلم الأكثر تأثيراً كان ماغي المحاربة في الأماكن البعيدة التي تتعرض بعد موت قائدها إثر إصابته بقذيفة إلى اضطراب ما بعد الصدمة،وتوضح المشاهد السبب لقيامه باغتصابها بالعنف فتقدم أثناء نوبة هيجان إلى محاولة قتل والدها.ويأتي فيلم أليسون ليلملم الخطوط المبعثرة فلوسي تعود إلى منزل عائلتها بعد أن تكمل دراستها وتصبح محامية تتعاطف مع ماغي وتترافع عنها،ويثير المخرج شارون ما غواير مسألة المصارحة والمكاشفة بين الأختين.
ورغم تشابه الرؤى الإخراجية إلا أن مشهد العشاء في فيلم أليسون كان مبالغاً فيه ولا يستطيع الإنسان أن يفصل نفسه عن الواقع إلى هذا الحدّ،إذ يتقبل الأب مرض ابنته ومشاجرتها مع أختها بكل هدوء ورتابة ليقول:(الدجاج لذيذ) في حين تبتسم الأم وهي ترتشف الشراب.
في نهاية الفيلم تعود الكاميرا إلى المشهد الدلالي إلى الدائرة التي كانت تدور ضمن أقطابها لوسي في نهاية الفيلم الأول تائهة،بينما في المشهد الأخير تكمل الدائرة بخطى ثابتة بعدما عاد آيدي إلى عمله ووالدة غريس إلى منزلها وماغي إلى طفلها ووالدتها.
ملده شويكاني