الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

 هل انحرف المثقّفون ؟!!

عبد الكريم النّاعم

كثر الحديث خلال تطوّرات المعركة التي بلغت ذروتها في سوريّة على مدى أكثر من سبع سنوات، عن “المثقّفين” الذين انحرفوا وذهبوا إلى أن يكونوا تابعين، فانتقلوا من أقصى اليسار موقفاً، وأهدافا، إلى التّماهي مع التكفيريّين، ولا شكّ عندي أنّ هؤلاء مثلهم مثل السياسيّين الذين كانوا محسوبين على التقدّم والعلمانيّة، وإذا بهم يمشون في ركاب الحركات الدينيّة الطائفيّة اليمينيّة، ولعلّ سبب بروز المثقّفين أنّ المثقّف في ذهن الناس بعامّة لا يكون إلاّ مع التقدّم، والديمقراطية، والعلمانيّة، أو أنّ هذا ما يجب أن يكون عليه، وهذا ما جعل نسبة حضور هؤلاء المذكورين على الألسنة، وعلى صفحات النشر والتواصل الاجتماعي أكثر من السياسيّين، ربّما لأنّه قرّ في الأذهان، بشكل ما أنّ (السياسة) متقلِّبة، وهذا توصيفا وليس تقييما لجوهر السياسة.

برأيي أنّ هؤلاء المعنيّين حُسبوا على صفوف اليسار العربي فترة تسيّده، فكانوا من البارزين في هذه الحركات، بينما كانت أعماقهم الرّخوة، حقيقة، في مواقع أخرى، لأنّ المثقّف الأصيل، العضوي، بحسب التعريف الغرامشوي هو “صاحب مشروع ثقافيّ يتمثّل في الإصلاح الثقافي الأخلاقي”، وهذا ما يجعلني أقول إنّ المثقّفين الحقيقيّين العرب، على مساحة أرض العرب لم ينحرفوا، ولم ينجرفوا، وأنّ الذي بادر للالتحاق بـ(الفزْعة) التي صارت في بداية الأحداث عام 2011 هم “متثاقفون”، أي متشبّهون بأهل الثقافة، وكان انتماؤهم لِما عُرفوا به انسياقا مع التيار الغالب، فلمّا لاحت بوادر أنّ أركان (النظام) قد اهتزّت، سارعوا إلى الالتحاق بالقوى الواعدة بالنصر والغَلَبَة، وإلاّ كيف يمكن جمع هذا اليساري المتشدّد في يساريّته مع ذلك المعروف بارتباطه بعجلة القوى الغربيّة الاحتلاليّة ؟! ترى هل هو التحالف كما يحلو للبعض أن يسمّيه؟

إنّ التحالف يكون بين قوّتين تتقاربان إلى حدّ ما في القوى، فما هي قوّة هؤلاء المتثاقفين على مستوى التغلغل والتأثير الاجتماعي قياسا إلى جماعة التكفير، وأمّهم الكبرى الأخوان المسلمين؟!

إنّ ما سبق يستحضر بشكل ما المثقّف الصادق في انتمائه الثقافي، والذي صمت في الصامتين، مثل هذا كيف يمكن تقييمه؟!

لاشكّ أنّ الصمت في وقت وجوب المُجاهرة بالموقف والرأي هو أمر مُدان، ويُصنَّف في خانة الجُبن، والجُبن صفة ذميمة، لاسيّما في مثل هذه المواقف المصيريّة.

ثمّة من صمت وحاله كما يقول المثل الشعبيّ، يدٌ على الشيطان ويدٌ على الرحمن، وأمثال هذا هم انتهازيّون بامتياز، ولعلّهم الأكثر قدرة على التغلغل في صفوف التقرّب، والانبطاح، وبلوغ الكثير ممّا صوّبوا عليه من مواقع، ومنافع.

إنّ ما سبق يعيدنا إلى فكرة أنْ تكون المراقبة، والمحاسبة، بحجم الدماء التي قدّمها الشهداء، لأنّنا نشمّ رائحة لا يُخطئها إلاّ الأخشم، فهي تفوح في كلّ الاتجاهات متلطيّة بأكناف مواقع حصينة، وأعتقد أنّ ما مرّ به حزب البعث، وقوى التقدّم والعلمانيّة والديمقراطية من مواجهات لقوى الظلام الدينيّة، منذ الثامن من آذار 1963 حتى الآن تفترض أنّنا قد لُدِغنا من هذا الجحر أكثر من مرّة، فهل ثمّة مَن يتنبّه ودماء شبابنا لمّا تجفّ بعد؟!

aaalnaem@gmail.com