اقتصادصحيفة البعث

في اليوم العالمي لـ”الادخار”.. ماذا تبقى لندخره؟!

قسيم دحدل

مرَّ الاحتفال باليوم العالمي للادخار والذي يصادف الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأول كلّ عام، على السوريين دون حسّ أو خبر، حتى الإعلام -الرسمي والخاص- لم نلحظ فيه تخصيص أية مساحة لهذه القضية المهمّة في اقتصاديات مختلف الشرائح الاجتماعية، رغم أن الهدف من تحديد هذا اليوم، الترويج للادخار في كلّ العالم ونشر الوعي المجتمعي بأهمية الادخار عبر طرح العديد من المواضيع التي تتناول هذا الشأن وأثره الإيجابي على الاقتصاد والمجتمع.

الادخار تلك العملية الاقتصادية السهلة نظرياً، والممتنعة تطبيقاً، والتي يمارسها الكثير في العالم، هي بالنسبة لمعظم السوريين اليوم، وفي ظلّ ما وصلت إليه الأوضاع والظروف المعيشية الحالية المتردية جداً، أشبه بالمستحيل، بعد أن أصبح خبزهم كفاف يومهم، فهناك الكثير ممن لا يجد ما يدخره حتى ولو كان أكثر المنفقين عقلانية، وبالمثل هناك من يستطيع الادخار بسهولة ولا يفعل، أو بالأصح لا يستطيع، نتيجة للاستنزاف الكبير في الدخل المحدود مهما كَبُرَ، للحدّ الذي بلغ فيه هذا الدخل أو ذاك، وبات عاجزاً عن تلبية حتى المتطلبات اليومية المعيشية الأساسية للمواطن، ولأيام معدودة أول كلّ شهر!.

المتخصّصون في الاقتصاد عدّوا الادخار نظاماً تأمينياً قوياً يُمكّن الإنسان من توفير حياة كريمة وأكثر رخاء وجودة، مشيرين إلى أن أهمية الادخار تكمن في الاستثمار بالمجالات التي يحبها الفرد، وذلك للمساهمة في عجلة الإنتاج والتنمية في المجتمع، مؤكدين أن الادخار يعطي القدرة على استقلالية اتخاذ القرار، والحصول على رافد مادي بعد التقاعد، بالإضافة إلى وجود محفظة مالية عند وقوع الأزمات، بخلاف تنمية الأصول المالية للأسرة عبر الاستثمارات.

كذلك يعتبرون أن الادخار طريق للاستقلال المالي، وتحقيق طموحات الإنسان المستقبلية، إضافة إلى أنه يحقق آثاراً إيجابية متنوعة على مختلف أوجه الاقتصاد وتنشيط الحركة المجتمعية، نظراً لما تشكله الكتلة المالية الإجمالية المُدخرة من قبل الأفراد من وزن في حسابات الاقتصاديين، الكليّ والجزئي، وخاصة لناحية ما يوفره ويؤمّنه من احتياطي وتحوّط في الظروف الصعبة التي تواجه الدول حين تعرّضها لأزمات قاسية.

رغم ما أنف من مرتكزات غاية في الضرورة يمثلها الادخار، إلا أن المواطن السوري اليوم يجد نفسه مكبلاً بمشكلات واحتياجات معيشية واقتصادية، تُذهب كلّ ليرة في جيبه، حتى قبل أن يقبضها، ولاسيما مع تفاقم متطلبات الحياة التي لم تتوقف عند حدّ، بل وتزداد تكلفة وتنوعاً في أحجامها وآثارها.

والسؤالُ الذي يطرح نفسه في هذا المقام: ماذا فعلت وستفعل الحكومة أمام حالة التلاشي شبه التام لمدخرات المواطن، وتداعيات هذا الواقع؟! فإن كانت كما تدّعي عدم قدرتها وعجزها عن تأمين دخل إضافي للمواطن عبر زيادة الرواتب والأجور، فلا أقلّ من المساهمة في الترويج ونشر الوعي بأهمية الادخار، والأهم إرشاده لكيفية إدارة وترشيد وتدبير ما يتبقى لديه من مال، لكن للأسف حتى هذا يبدو أنها عاجزة عن القيام به!!.

لعلّ أجمل ردّ على ماذا يدخر السوري في حالته الراهنة، ذاك الذي قاله أحد الخبراء، قال: ادخر صحتك في كلّ المراحل، وسترى أهمية الانتباه لذلك عندما تحلّ العقود المتأخرة من عمرك، ولا تكن شرهاً في استهلاك ما تشتهي أياً كان حتى تستمر في استهلاكه أطول فترة ممكنة.

ادخر مزاجك أو في مزاجك، لا تستنزف كلّ ما يبهجك مبكراً، فهناك بهجات تستمر طول العمر، وهناك بهجات لا تأتي إلا مع التقدّم فيه، وهناك أشياء يجب ألا تملّ منها حتى آخر يوم في عمرك.

ادخر علاقة أو صداقة، وقائمة بأشياء عظيمة وأخرى بسيطة ستتوالى عليك لعيشها أو تنفيذها، اجعل “حصالتك” الروحية والذهنية والنفسية أهم من حصالتك الخزفية أو المعدنية التي باتت اليوم رقمية في مصرفك.

Qassim1965@gmail.com