تحقيقاتصحيفة البعث

“الطلاق الصامت”.. بيوت كالسجن لا يحكمها القانون!

نجوة عيدة

يعيش البعض أمام الناس حياة طبيعية جميلة ملؤها السعادة وربما تأكلهم العيون حسدا وغيرة، كما قد يطرقون الكؤوس في حفلاتهم الخاصة احتفاءً  بالحب وبالعلاقة الكاملة غير أنهم ما إن يعودوا لبيوتهم ويغلقوا الأبواب حتى تسقط تلك المظاهر ويتجه كل واحد لغرفته دون أن ينبس ببنت شفة، هذا ما يسمى الطلاق المنزلي الذي يطغى على معظم العلاقات الزوجية في مجتمعنا.

علاقات صامتة

كثيرة هي العلاقات الزوجية الصامتة التي لا نلحظها لبراعة أصحابها بإخفاء المواجع لأسباب عدة يأتي على رأسها الخوف على الأطفال، وأغلب هذا النوع من الطلاق يكون في الطبقة المثقفة المدركة لمخاطر الانفصال أيّا كان نوعه سواء كان معلنا أو مخفيا، أما الناس البسطاء والمغلوبين على أمرهم فهم يتعايشون مع شركاء حياتهم لأن الحلول أمامهم معدومة، فأبو سومر رجل جامعي مثقف وزوجته خريجة لغة إنكليزية ولهما من الأولاد أربعة، ولكن حياتهما كما يصفها الزوج باردة لا روح فيها يجمعهما بيت واحد صحيح لكن دون مشاعر، رغم أن هذه العلاقة كما يقول جاءت نتيجة حب دام سني الجامعة ولا يرغب في الطلاق العلني كي لا يتأثر أبناؤه، على حد تعبيره.

أما جمانة المرأة الأربعينية التي تجهز ابنتها الكبرى للزفاف، فهي على خلاف صامت مع شريك حياتها منذ عشر سنوات، فالرجل تقاعد مبكرا من عمله وانتقل للعيش في قريته تاركاً عائلته في المدينة، يزورهم كالغريب لتلبية احتياجاتهم المنزلية فقط، وجمانة ليس لديها أي مشكلة بهذه الحياة فهي تعتبرها جيدة نوعا ما طالما أن الأولاد تحت رعايتهما معا.

زواج البريستيج 

أغلب أنواع الطلاق المنزلي تأتي من طرف الزوج، فهو صاحب القرار بالعودة أو بالهجرة، والمرأة – كما هو معروف في مجتمعاتنا – تضحي دائماً من أجل الأبناء لذلك ترضى بكافة الحلول، خاصة إن لم تكن عاملة، بمعنى غير قادرة على الانسحاب وأخذ الأطفال والتكفل بمعيشتهم، وهذا بحد ذاته كان سبباً كافيا لأم محمد لتعيش مع زوجها ذي المنصب الجيد حياة من طرف واحد ملؤها المشاكل والخلافات فقط كي لا يصفها الآخرون بـ “المطلقة”، سيما وأن ليس لديها من تأوي إليه، وهو حال الكثير من النسوة اللواتي يدركن جيدا أن الأهل غير مسؤولين عن تربية الأطفال في حال وجود أب ميسور الحال، ففضلت أم محمد البقاء بكنف زوج ثري، والظهور بمظهر السعيدة أمام من يحسدها من الصديقات. بالمقابل، يبدو أن أم شام لا ترضى البقاء فترة طويلة مطلقة منزليا وهي المرأة العاملة والعصامية والمنحدرة من عائلة معروفة وثرية، غير أنها تنتظر الوقت المناسب، وهو نضوج ابنتها الوحيدة لتأخذ قرار الطلاق العلني، وعلى حد تعبيرها – سواء معلنا أو مخفيا – فهو في حقيقة الأمر طلاق وزواج فقط على الورق وأمام عيون الناس من أجل “البريستيج”.

حكم القلب!

الهجرة الزوجية لها حكم قانوني يفرض عند خروج الزوج من المنزل لمدة زمنية معينة أو ترك الزوجة منزلها أيضا لفترة معينة حيث هناك إجراءات يتخذها أحد الطرفين ودعاوى وحكم قانوني، أما الطلاق الذي لا يتعدى جدران المنزل فلا حكم قانونيا فيه سوى حكم القلب إن وجد الحب، أو القرار المنطقي إن وجد العقل. وبالذهاب إلى الدراسات العالمية فهي تؤكد أن خلافات الزوجين أمام الأطفال تحدث خللا في سلوكهم بعمر مبكر وشروخا عاطفية عميقة في شخصيتهم، وهذا ما يقوله من قام باختبار ودراسة عينات من مجتمعات مختلفة لأطفال ومراهقين عاشوا حياة مضطربة مع والديهم. وفي واقعنا ومجتمعنا المحلي لا يختلف الأمر كثيراً سوى ببعض التفاصيل التي تعود للتربية والعائلة التي تعتبر المكون والأساس لكل شيء صحيح.

الخبيرة الاجتماعية هيام عبده بينت أن جيل اليوم يختلف عن جيل الأمس، فهو ذكي وسريع البديهة والملاحظة وهذا ما لا يدركه الأهل، فيعتقدون أن عيشهم تحت سقف واحد مع الأولاد لا يؤثر عليهم، وهذا خطأ كبير، وإدراك الأولاد أن والديهم منفصلين يتحسسونه ويشعرون به بعمر مبكر ثم يلمسونه بفترة المراهقة وأثناء غياب الأب المتكرر عن مواعيد الطعام أو عدم مشاركة الأم للأب مشاهدة التلفاز مثلا أو الحديث عن مشاكل الأبناء وانعدام وجود أي حديث مشترك بين الطرفين أمر لا يصعب على ابن هذا الزمن معرفته، كذلك غياب الأب المتكرر عن النوم في المنزل، أو وجود الأم دائما بغرفة أحد الأبناء فتلك أمور باتت غير صعبة الفهم على أبناء الانترنت، واعتقاد أحد الطرفين أن هذا الانفصال الصامت هو حفاظ على العائلة فهو أمر غير صحيح، لأن حالة الطلاق العلنية بكل مفرزاتها تبقى أفضل من الطلاق داخل المنزل، والعزلة التي يعيشها الزوجان أمام أبنائهما تخلق مشاكل نفسية أيضا صامتة عند الأبناء ومحتجزة داخل أذهانهم ومخيلتهم يطلقونها للعلن عند قيامهم بإنشاء عائلة، فتتكرر الصور في أذهانهم لتصبح واقعا ثانيا لحياتهم.

وتضيف عبده أن الكثير من قرارات الشباب بعدم الإقبال على الزواج تكون نتيجة مشاهدتهم عن كثب لحياة والديهم فيرغبون بعدم تكرار “المأساة” ويعزفون عن تكوين “العيلة”، واعتبرت الخبيرة الاجتماعية أن الطلاق المنزلي من أصعب المشاكل التي يعيشها المجتمع خاصة أنه لا نص قانونيا ينصف هذا النوع من الانفصال لأنه من غير المنطقي بمجتمع كمجتمعنا رفع دعوى بمثل هذه الهجرة كونها داخل البيت وتمس خصوصية الزوجين، بالمقابل أغلب الدعاوى بالمحكم معلنة وصريحة وأسبابها واضحة ولها حكم قانوني، وأشارت الخبيرة عبده إلى أن أسباب المشاكل الزوجية في معظمها مردها الفقر وصعوبة الحياة وارتفاع تكاليفها.

رأي القانون

كما قلنا: لم يلحظ القانون حالات الطلاق المنزلي بسبب خصوصية المجتمع السوري الذي يتغاضى عن المشاكل ربما ولخصوصية بعض الأسر التي تفضل عدم إقحام المقربين في مشاكلهم الزوجية، فما بالك إن كان القانون؟ وقد يكون هذا سببا كافيا ليكون التشريع فقط فيما يخص الهجرة الزوجية بمعناها الأشمل، وهو مغادرة الزوج أو الزوجة للمنزل.

المحامي غفار محمود بين لـ “البعث” أنه يحق للزوجة طلب التفريق إذا هجرها زوجها أو حلف على عدم مباشرتها مدة أربعة أشهر فأكثر، وفي حال امتثال الزوج للقاضي بترك الهجر حدد له القاضي مدة مناسبة فإن أبى طلقها عليه طلقة رجعية؛ وفي قانون الأحوال الشخصية فإن للزوج في حال مغادرة الزوجة لمنزل الزوجية دون إذنه أو علمه وعدم قبولها بالعودة (بالمتابعة الزوجية) إقامة دعوى متابعة زوجية أمام القاضي الشرعي، وهي التي يرفعها الزوج مطالبا زوجته بالعودة إلى المسكن الشرعي والمتابعة هنا لا تكون فرضا على الزوج، وهنا يجيز القانون للزوجة الرفض وفي هذه الحالة تعتبر ناشزا ويسقط حقها في النفقة فقط، وبالنسبة لدعوى المتابعة الزوجية (بيت الطاعة) يجب أن يتوفر شرطان كي يحق للزوج إقامتها أولها أن يكون مهر الزوجة مقبوضا ثانياً أن يكون منزل الزوجية مسكنا شرعيا.

وبالنسبة للهجر أوضح المحامي محمود أنه وبحكم عمله في السلك فإن الطلاق المنزلي أو الهجرة من الحالات النادرة والقليلة التي يتم طلب الطلاق لأجلها وأكثر حالات الطلاق قد تكون لعلة الشقاق أو لعلة عدم الإنفاق أو المرض ولعلة الغياب ولأسباب عديدة أخرى، وعرج محمود على الدور السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي في إحداث الشقاق بين الزوجين ودورها الكبير في حصول الطلاق.

وبرأي الأستاذ محمود فأن أكثر المشاكل التي يعاني منها الأزواج تعود للحالة النفسية والذهنية للزوجين والتي تعود أكثرها إلى سوء الحالة الاقتصادية كالفقر مثلا الذي يؤدي إلى ضغوط نفسية تؤدي إلى أمراض جسدية وعقلية أحيانا تؤثر على الحياة الزوجية.