ثقافةصحيفة البعث

الهوية.. معركة الأديب الفلسطيني المصيرية

نجوى صليبه

يقدّم الكاتب والباحث الفلسطيني محمد البشتاوي مجموعة تعريفات للهوية، فهي اصطلاحاً الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النُّواة على الشجرة في الغيب المطلق، وهي مجموع السّمات الرّوحية والفكريّة والعاطفية الخاصّة التي تميّز مجتمعاً بعينه، وطرائق الحياة ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات وطرائق الإنتاج الاقتصادي والحقوق، وهي الوعي المتطور للفكر الإنساني والإنجاز الرّائع.

أمّا مقوّمات الهوية الوطنية فكثيرة نجمعها بالتّاريخ، واللغة، والتّجارب، والتّراث، والآلام والآمال، والثّقافة التي تعكس واقع المجتمع ومسيرته تطوّره وعلاقاته الاجتماعيّة، وإن أردنا الحديث عن بعض هذه المقوّمات، سنبدأ بالتّراث وكيف حافظ عليه الفلسطيني ونقله إلى العالم، ونقول إنّه مجموعة عادات وتقاليد وفنون شعبية وحرف تقليدية تعبّر عن مدى تفاعل الشعوب بالبيئة المحيطة فيها، وهذا ما يرسخّه الفلسطيني في سلوكياته ونقاشاته وحكاياته وأزيائه، إذ يعدّ الثّوب الفلسطيني المطرز لوحةً فنّية ورسالة ثقافية بحدّ ذاتها.

ولم يكن لهذه المقومّات أن تقاوم وتصمد وتنتشر في أصقاع الأرض ويتعرّف عليها الآخر إلّا من خلال المقوّم الأكثر أهمية ألا وهو اللغة، لذلك كانت عبر التّاريخ هدف أي احتلال لأي أرض، ومثله الانتداب والاستعمار، وهذا ما فعله الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، إذ حاول بشتّى الوسائل طمس الهوية عن طريق استبدال اللغة الأم بأخرى وسرقة التّراث المادّي واللامادّي، وفي الوقت الذي يرى بعض النّقاد والمفكرّون أنّ النّكبات أضعفت الهوية الفلسطينية داخل الأراضي المحتلّة وخارجها، يرى البعض عكس ذلك تماماً، يقول المؤرّخ الفلسطيني الدكتور صالح عبد الجواد إنّ النّكبات ـ وعلى الرّغم من الشّتات الذي خلّفته ـ لعبت دوراً كبيراً في تعزيز الهوية الفلسطينية، وخلقت ارتباطاً جمعياً، وحضوراً متصاعداً للهوية في الأدب الفلسطيني عموماً، ونستشهد أوّلاً برواية باسم خندقجي “قناع بلون السماء” الفائزة، مؤخّراً، بالجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” لعام 2024، والتي كتبها  في سجون الاحتلال منذ عشرين عاماً، وفيها يبحث عن الوجود والهوية، من خلال الخوض في تفاصيل الكولونيالية الصهيونية ومواجهتها لإثبات الهوية والوجود.

ونعود بذاكرتنا إلى الوراء، إلى “رجال في الشّمس” و”عائد إلى حيفا”، و”أم سعد” للأديب غسان كنفاني الذي رسّخ أدبه لنقل معاناة الشّعب الفلسطيني في صراعه الوجودي ومآسيه وصموده وتمسّكه بجذوره وهويته، من خلال شخصيات توضّح تطوّر المفاهيم بتطور الأجيال واختلافها لتقدّم بذلك البطولة بشكل غير تقليدي، من حيث الموضوع وطريقة معالجته، ومن حيث اللغة والجملة والبساطة والعمق، نذكر قوله في “أم سعد”: “هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، أمي تُخلّف وفلسطين تأخذ”.

وبالحديث عن الذّاكرة، سعى الاحتلال أيضاً إلى مسحها من العقل العربي الفلسطيني الجمعية وسلبه كلّ ذكرياته وتزييف الحقائق بتغيير أسماء بعض الأمكنة، لكنّه فشل في ذلك أيضاً، وبقيت الأماكن جزءاً من هوية كلّ فلسطيني، لها في القلب والعقل حيّز لا ينزعه أحد، بل تنتعش في كلّ مقام ومقال.. أحياء وحارات وشوارع، يوثّقها الأدباء في روايتهم وأشعارهم، يقول الأديب ماجد أبو غوش في روايته “عسل الملكات” 2017 وعلى لسان “الأستاذ علي”: “خرجنا من سوق خان الزّيت إلى باب العامود ـ مثل كلّ يوم جنود الغزاة يملؤون درجات باب العامود ـ صعدنا الدّرجات وانعطفنا يميناً إلى شارع السّلطان سليمان وبعدها يساراً إلى شارع صلاح الدّين، بعد أن تجاوزنا المكتبة العلمية انعطفنا يميناً إلى شارع الزّهراء، وعند وصولنا الفندق الوطني”، ليعود ويذرع الأمكنة مجدداً، لكن هذه المرّة يزيد عليها: “مضيت إلى القدس، ذرعت كلّ الشّوارع والأزقة، المصرارة، وباب العامود، وباب الخليل، وحارة اليهود، وسوق خان الزّيت، وسوق القطانين، وسوق اللحامين، وباب الساهرة، وشارع السلطان سليمان،، وشارع صلاح الدّين، وشارع النّزهة، ووداي الجوز، والصوانة، وجبل الطور، والشيخ جراح”.

لم يتهرّب الأديب الفلسطيني من معركة الوجود والهوية، ولم يتخفى تحت أسماء وهمية، بل وقف بكلّ قوّة وإصرار ليراه الجميع وهو يقول: أنا الفلسطيني..، يقول  الأديب الفلسطيني يوسف حطيني في فاتحة روايته “رجل المرآة”: “رجل المرآة هو أنا، أنا بشحمي ولحمي ودمي، أنا المؤلّف، أنا يوسف حطيني، ولست السّارد الشّاهد أو المراقب، أنا السّارد المغيّب الذي أرادت له النّظرية الصّهيونية أن يصمت، أو أن يقول: أنا لست موجوداً… هكذا من دون لبس، أعترف بوصفي ناقداً أكاديمياً وباحثاً بأنّني موجود في أتون الرّواية، موجود بقوّة الفعل الكتابي، من دون مواربة، أحضر في مقاطع الرّواية لأنتزع من السّارد جدارة الحكي، وأتدخّل على غير عادة المؤلّفين.. أحضر لأؤكّد من خلال الشّعر والوثيقة والتّقرير الصّحفي والتّلفزيوني زيف ما يدّعيه الذين سلبوا منّي البيت والبيارة والأحلام، ولأنيط بالرّواية دوراً تثقيفياً يسعى إلى محاورة النّظرية المضادة ودحضها”.

وفي فنّ الكاريكاتور، ما يزال اسم ناجي العلي يتصدّر فلسطينياً، وما تزال شخصية “حنظلة” رمزاً لهويته التي أُريد لها الموت والزّوال، لكن لا الهوية ماتت ولا حنظلة مات، يقول العلي إنّ “حنظلة” صبي في العاشرة من عمره، وهو العمر الذي أجبر فيه على الهجرة من فلسطين، لذا فإنّ “حنظلة” لن يكبر إلّا حين يعود الوطن، ولن نرى وجهه إلّا عندما يزول تهديد الكرامة العربية.

أمّا شعرياً، فلا يمكن نسيان الشّاعر الرّاحل محمود درويش وقصيدته “طباق” عام 2005:

والهوية؟ قلتُ

فقال: دفاعاً عن الذات..

إنّ الهويّة بنتُ الولادة، لكنّها

في النّهاية إبداع صاحبها، لا

وراثة ماض.. أنا المتعددُ في

داخلي خارجي المتجدد، لكنني

أنتمي لسؤال الضّحية، لو لم

أكن من هناك لدربتُ قلبي

على أن يربي هناك غزال الكناية

فاحمل بلادك أنّى ذهبت

ومثله صرخ الشّاعر الفلسطيني هارون هاشم الرّشيد:

فلسطينيّ أنا اسمي فلسطيني

نقشت اسمي على كلّ الميادين

بخطّ بارز يسمو على العناوين

حروف اسمي، حروف اسمي تلاحقني

تعايشني

تغذيني