رأيصحيفة البعث

“الهندسة الجيوسياسية” وأوهــــام البعــــــض

 

ربما يبدو من الطبيعي للغاية أن يلجأ مجلس الأمن الدولي إلى عالم “الوحي” كي يبحث عن حلّ للمشاكل الواقعية التي يواجهها في ظل التزايد اللافت للنظر في أعداد، وأنواع، ساسة الصدفة الذين قُيّضَ لهم أن يعتلوا سدة الحكم في دول عظمى تمتلك حق النقض في هذا المجلس وبالتالي لديها القدرة على التحكم في مصير شعوب ومصائر بلدان وأمم كان لهذه الدول العظمى ذاتها اليد الطولى في نكباتها المفجعة، سواء بسبب الطمع في موقعها الجيوسياسي المميز أم ثرواتها الباطنية الهائلة.
فحين نستمع إلى أحد الأعضاء الدائمين وهو الرئيس الفرنسي، كان لبلاده دور هام في ما وصلت إليه الأزمة السورية من مآس، وقد شارك مؤخراً بعدوان ثلاثي خارج إطار الشرعية الدولية على دولة سيدة مستقلة وعضو في المنظمة الدولية، يقول، بصفاقة لافتة، إن “على فرنسا وأمريكا وحلفائنا البقاء لبناء سورية جديدة” لأن بقائهم هو “ضمان أن القرار حول تحديد مستقبل سورية سيعود، بطبيعة الحال، إلى الشعب السوري”..!!، يمكن لنا أن نفهم، دون أن نتفّهم طبعاً، شكوى الأمين العام للأمم المتحدة من عدم قدرة المنظمة الدولية على حل الأزمة السورية نتيجة انقسام أعضاء مجلس الأمن، وبالتالي يصبح من الطبيعي للغاية أن يلجأ المجلس، المفترض به محاسبة من يخرج على الشرعية الدولية، للبحث عن “مكان مناسب ومصدر وحي” ليعقد فيه “خلوة غير رسمية” للتباحث في كيفية حل الأزمة السورية!!، وبهكذا مقدمات غريبة فليس من المستغرب أن يصدر لاحقاً عن المجتمعين قرار رسمي باستخدام “وسيط روحي” لحل القضايا العالمية المشابهة..!!.
والحق فإن المشكلة الرئيسية التي تواجهنا هنا تتألف من شقين، الأول بروز عصر ساسة الصدفة مثل ماكرون وأضرابه، أو ساسة البلطجة و”التشليح” على مثال ترامب، الذين يمسكون بمقادير دول كبرى. والثاني، أن مجلس الأمن الدولي ذاته، وهو الذي كان صورة عن واقع العالم وقواه المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، لم يعد ببنيته وصورته الحالية يطابق ويماثل حقائق القوة العالمية في القرن الحالي، وهي حقائق متبدّلة بصورة كبيرة ومتسارعة، فكيف يمكن فهم وجود فرنسا أو بريطانيا في هذا المجلس، فيما تقبع ألمانيا أو اليابان أو البرازيل مثلاً خارجه؟!!.
ولأن لكل شيء، حتى لو كان سحراً، تفسير علمي مناسب، فإن فرنسا وبعض أعضاء مجلس الأمن الفاعلين يبحثون، سواء عبر الواقع أو السحر، عن “هندسة جيوسياسية” مناسبة لهم في سورية، وتمهّد لأخرى في المنطقة والعالم أجمع، مستخدمين، في سعيهم هذا، أدوات محلية، أو إرهابية عابرة للحدود، أو دول إقليمية مثل السعودية، التي تقدمت بمبادرة تنتمي إلى عالم السحر، لكن الهزلي هذه المرة، عبر إعلان استعدادها للمشاركة البرية في العدوان على سورية، لاعتقاد مزمن عند ولاة الأمر فيها مفاده أن انضواءهم الكامل في المخطط الغربي سيحقق لهم “اللحظة الخليجية” التي انتظروا أن تحققها لهم غزوة اليمن، وحين تحولت اليمن إلى “فييتنامهم” الخاصة، اكتشف “كبيرهم” أن المشاركة المباشرة في العدوان على سورية، ولو بآخر جندي سوداني، كما تكشف الغارديان – لأنهم لا يملكون القوة البرية الكافية – ستحقق لهم ذلك، متناسين حقيقة أن الغرب لا ينظر لهم إلا كبقرة حلوب أو مرتزقة سيخضعون بدورهم لهذه “الهندسة الجيوسياسية” في اللحظة المناسبة وهي لم تعد بعيدة على ما يبدو من وقائع الأمور.
والحال فإن الحلّ ليس في خلوة مجلس الأمن السحرية ولا في آمال “ماكرون” وأضرابه من ساسة الصدفة، ومن نافل القول إنه ليس في هرطقات “الجبير” وتهويماته، فكما كانت سورية مقبرة الأدوات المحلية، ستكون مقبرة الأدوات الإقليمية أيضاً. الحلّ في الميدان فقط، وهو، أي الميدان وتطوراته، ما دفع واشنطن وباريس ولندن لتقديم “صيغة معدّلة من مشروع قرارها حول سورية” لمجلس الأمن بعد أن فشلت الصيغة الأولى، وهو مصير الثانية أيضاً، ما دامت لا تعكس الحقائق الباردة المستمدة من وقائع الميدان، وحتى تحين تلك اللحظة .. سيبقى الصراع مستمراً.
أحمد حسن