صحيفة البعثمحليات

إدارة التشريع تنأى بنفسها عن معظم واجباتها “كلاسيكية” العمل ونقص المستلزمات تقوّض إنجاز المهام.. ومطبخ القوانين يشكو كثرة الأيدي المشاركة

 

دمشق– ريم ربيع
رغم إغراء صفة “المشرع” وعلوّ مقامها يبدو أن إدارة التشريع لا تزال غير قادرة على جذب خيرة القضاة إليها “كما يفترض”، حيث يصرّ بعض أبناء الكار على وصفها بـ”ثلاجة” القضاة ويخشون تجميدهم فيها، ومع ذلك قد نسمع بعض الأصوات التي تعتبر أنها فرصة ذهبية للتطوير وضبط الحقوق وتقنين القانون في مواد تتمّ صياغتها ببلاغة ووضوح بعيداً عن المواضيع الإنشائية، ولاسيما في خضم معركة الإصلاح الإداري التي يشكّل القضاء فيها حجر الزاوية والمدماك الأساسي لبناء فكرٍ ومجتمعٍ تطويري.
وفي الوقت الذي يتطلّب التطوير فيه أدنى درجات الحوار والنقاش بين المشرعين لدراسة ما يجب تعديله من عدمه، يبدو أن هذا النوع من النقاش شبه معدوم في العملية التشريعية بعد أن أصاب الوهن مفاصلها وأضعف أوشاجها، وذلك حسب تعبير القاضي المستشار عمار بلال (ابن هذه الإدارة وأحد أعضائها) الذي وصف آلية العمل بالـ”الكلاسيكية”، نظراً لمعاناة إدارة التشريع من إغراقها بإبداء الرأي في القوانين الخاصة، إضافة إلى المشاركة ببعض اللجان التي تسعى لتعديل بنود أو بعض المواد في القوانين الأخرى حيث أصبح من غير الممكن ضمن الكادر الموجود إعادة تبويبها، فيلجأ أعضاء الإدارة للاجتهادات الشخصية والتعاون فيما بينهم بشكل شخصي لتنظيم العمل، فيما يبقى التساؤل هل من إرادة حقيقية لمراجعة القوانين وتقييمها وتبويبها كون هذا الأمر يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي؟!.
وأوضح بلال أن سورية تفتقر لمكتب صياغة القوانين، رغم أن قانون السلطة القضائية أوجد بذرة له حينما أوكل الأمر إلى إدارة التشريع (كما ورد في المادة 8) بحيث تكون الرؤية في التشريع عامة وليست فردية أو وفقاً لوزارة معينة وتُبنى على مناهج تتوافق مع السياسة التشريعية التي تتبناها الحكومة وتحصل على موافقة السلطة التشريعية عليها.

تأنٍ..
كما أشار بلال إلى الاستهتار في التعامل مع القضاء وغياب التنسيق بين الجهات المختلفة في ظل تدخل أطراف كثيرة في تحضير القوانين ومراجعتها، مستنكراً إلحاح البعض على العجلة بمراجعة القوانين، حيث إن الوقت الطويل في الدراسة يختزل من زمن التنفيذ ويجعل فاعلية القوانين أكثر سرعة في إنصاف الناس، مضيفاً: إن إصدار القانون لا يقتصر على موافقة إدارة التشريع التي ينحصر جلّ عملها بتقديم الملاحظات على مشاريع قوانين قد يؤخذ بها أو لا!!.
وكان أعضاء الإدارة طالبوا وزير العدل في اجتماعهم الأخير معه بتطوير الأشخاص والإمكانات اللوجستية والأتمتة الفاعلة التي تحقّق سرعة في التقنين وتناول المعلومة، وقد أكد وزير العدل ضرورة تطويرها بكل الإمكانات المتاحة، إضافة إلى رفدها بالقضاة الأكفاء من ذوي الخبرات العالية.

مكاشفة
بشفافية عالية صارح القاضي بلال “البعث” بتدني نسبة رضا قضاة الإدارة عن الأداء الحالي، مقارنةً مع ما يمكن وما يجب أن يتم العمل به، فعلى سبيل المثال يحتاج تحضير مشاريع القوانين أو دراستها أو صياغتها لكادر ضخم من القضاة إضافة للخبراء في المناحي المتعددة، فيما لا يتجاوز عددهم حالياً 25 قاضياً، فضلاً عن الاعتماد على العامل الشخصي بدلاً من العمل المؤتمت والبرمجيات المتطورة، ما يؤدي أحياناً لتعارضات قد تظهر في التعاميم لأن المرجع الوحيد هنا هو الذاكرة البشرية.
وعلى الرغم من أن القضاء يعدّ المنظومة الوحيدة القادرة على محاسبة ذاتها، إلا أنه من المستحيل نجاح المحاسبة إلا بالخروج من عباءة الشخصنة للعمومية والاستقلال الكامل للقضاء- برأي بلال، مما يتعارض مع بعض مراكز القوى متسائلاً: “كيف يمكن أن أومن باستقلال السلطة القضائية إن كانت السلطة التنفيذية تحدّد وتعطيني راتبي؟!”.

نأي بالنفس
وتدرس إدارة التشريع حالياً أغلب القوانين وتراجعها وتجيب عن الاستفسارات والمسائل القانونية المحوّلة من قبل وزير العدل أو أحد معاونيه، إضافة إلى العبء الناتج عما ترسله أغلب الوزارات بعد تعميم رئيس مجلس الوزراء المطالب بتوجيه من يلزم لعرض مشاريع (الصكوك التشريعية- القرارات) على إدارة التشريع لدراستها وإعدادها بالصيغة القانونية المناسبة قبل عرضها على اللجان المختصة في رئاسة مجلس الوزراء أو على مجلس الوزراء، مع الإشارة إلى إعادة أي مشروع لا يتضمن ما يشير إلى اطلاع الإدارة المذكورة عليه، منسجماً بذلك مع المادة 8 في قانون السلطة القضائية التي أباحت للإدارة الاعتماد على أي شكل من أشكال الخبرة وأسندت لها العناية بمجموعة التشريع السوري وجمع النصوص القضائية وأحكام المحاكم وترتيبها وطبعها، وهو الأمر غير القابل للتطبيق- برأي بلال، إذ كشف أن الإدارة الآن تنوء تحت ما هو ملقى على كاهلها في ظل نقص المستلزمات والبيئة المساعدة لهذه الأعمال. كما بيّن القاضي بلال أن القوانين حالياً تصل للإدارة محضّرة مسبقاً من كل وزارة على حدة، معتبراً أن ما يُسمّى فن صياغة القوانين مازال بعيداً عن أسماع معدّي الكثير ممن يكتبون أو (ينشئون) مشاريع القوانين.

شخصنة
ولم يخفِ القاضي عمار بلال عدم رضاه عن الخطوات الحالية في التطوير الإداري، معتبراً أن الاعتماد على الأشخاص فقط يشكّل مخالفة للمنهجية التي وضعها السيد الرئيس حينما أطلق مشروع التطوير الإداري، والمتعلقة بوضع ضوابط منطقية كتطوير المؤسسات وعملها وتفعيل المكاتب والمراكز بدلاً من تبديل الأشخاص، ولا تستطيع وزارة أو شخص أخذ دور الجميع، فوزارة التنمية الإدارية مثلاً يفترض أن يصبّ جلّ عملها في ضبط قواعد تطبيق التطوير الإداري والإشراف وليست هي من تقوم بالتطبيق، مؤكداً أنه لا يمكن للتطوير الإداري التقدم دون منظومة قانونية متينة مهما كانت النظريات التي يتبناها فكر التطوير.