في محاضرتها “جدلية العلاقة بين الثقافة والتنمية”: حمد : الثقافة جدار الاستناد لأي عملية تنموية

استطاعت  ندوة الثلاثاء الاجتماعي التي تقيمها كلية الآداب –  قسم علم الاجتماع، من خلال المحاضرات واللقاءات والمواضيع المهمة التي تطرحها، من تكريس حالة ثقافية وحوارية مهمة لا تقتصر على طلاب القسم فقط، بل تتجاوزه إلى الاختصاصات الأخرى، والدليل الحضور الطلابي المتنوع من مختلف أقسام الكلية، وحضور عميد كلية الآداب د. خالد الحلبوني والأساتذة رؤساء أقسام الأدب الإسباني والفارسي والروسي وعدد من أساتذة علم الاجتماع، إضافة لعدد كبير من الطلاب من مختلف الاختصاصات. وكان آخر اللقاءات مع د. إسعاف حمد من خلال محاضرتها التي حملت عنوان “جدلية العلاقة بين الثقافة والتنمية” وبالتأكيد العنوان يشير إلى العلاقة والتأثير المتبادل بين الثقافة والتنمية، وهذا ما أكدته رئيسة قسم علم الاجتماع د. أمل دكاك في  تقديمها وتمهيدها للمحاضرة.
ورأت د. حمد أنه وبالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت بعد الحرب العالمية الثانية لفهم وتفسير عملية التنمية، إلا أن التقدم الفعلي الذي تم تحقيقه مازال محدوداً، والصورة في العالم العربي والإسلامي مازالت مخيبة للآمال، لأن عالم اليوم ما زال أكثر فقراً وأقل عدالة مما كان يتوقعه الناس في منتصف القرن الماضي وبعد الحرب الباردة عادت الأسئلة الملحة من جديد لتبحث عن تفسيرات لمعضلات التخلف والتنمية، فكان الاستعمار والتبعية للخارج تفسيرات غير كافية للفقر وغياب الديمقراطية، وهنا قام الكثير من علماء الاجتماع بالعودة إلى العوامل الثقافية لتفسير التحديث والديمقراطية السياسية وسلوك الأقليات والتقارب والصدام، وفي هذا الجانب ذكرت حمد اتجاهين الأول يعارض الاعتماد على هذه التأثيرات الثقافية ويثير الشكوك حول تأثيرها في التنمية، مقابل اتجاه يرى أن للثقافة نفوذاً وتأثيراً أساسياً على السلوك الاجتماعي لكنه بالطبع ليس الوحيد. وقدمت حمد تعريفاً للثقافة من وجهة نظر كانط مؤكدة أن الإنسان لا يصير إنساناً إلا بالثقافة، بل هو ما صنعت منه أو فيه تلك الثقافة، وهو يشكل غاية التنمية ومنطلقها. أي يجب أن تخاطب العملية التنموية البعد العقلاني والأخلاقي في الإنسان، وغاية التنمية تكمن في تفجير الطاقات الإنسانية الكامنة في الإنسان وتحقيق الازدهار والتكامل في شخصيته. من هنا فإن تنمية الجوانب المادية والاقتصادية والأمنية تشكل الإطار الموضوعي لهذه الأنسنة الثقافية، التي لا تكون إلا فعلاً ثقافياً يتجلى في منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية التي تحقق التوازن بين الإنسان والوجود. لذلك تشكل الثقافة جدار الاستناد لأي عملية تنموية، ولا يمكن لأي محاولة تنموية أن تحقق أهدافها ما لم تنطلق من الثقافة وترتد إليها في صورة تفاعل بين الغايات والوسائل. وفي الحديث عن  الثقافة التي يمكن أن يعوّل عليها في عملية التنمية المنشودة، ميزت حمد بين ثقافات دينامية تتميز بقدرة عناصرها على الحركة والتوالد والانتشار خارج إطارها الجغرافي وبين ثقافات جامدة منغلقة مناهضة للتغيير ومتشبعة بعناصر قيمية مضادة للتنمية والتطوير كالتواكل والاتكالية والتعصب والسلفية، وكل ذلك يمثل جانباً سلبياً معيقاً لعملية التنمية، فعندما ننظر للثقافة العربية من منظور أنثروبولوجي بوصفها مجموعة قيم وتصورات ومفاهيم وعادات، سنجد أن العناصر المعطلة للتنمية والمقاومة للنهضة تسود على العناصر المحفزة للعملية التنموية، وتتمثل الأزمة الثقافية التنموية العربية في التناقض ما بين القيم والعادات والتقاليد وبين متطلبات التنمية الشاملة، فالثقافة التقليدية العربية متشبعة بعناصر ثقافية تناهض أي فعالية تنموية، لأنها تمثل نمطاً من وعي التخلف في جوهرها وبنيتها الأنثروبولوجية، وهذا ناجم عن طبيعة التخلف الفكري الراسخ في الحياة الاجتماعية التقليدية الذي يتبلور في نسق من القيم والعادات والتقاليد السلبية التي تعرقل مسيرة النماء الإنساني على مستويات الفرد والجماعة والمجتمع. وأشارت حمد في هذا الإطار إلى بعض مظاهر التحديث التي شاعت في البلدان العربية، لاسيما دول الخليج والتي اتخذت صورة التسابق في تشييد الأبراج والمباني هذه التغيرات الحضارية المادية لم ترافقها تنمية ثقافية وعقلية وذهنية في الكيان الاجتماعي، مما ولد شروخاً وتصدعات في بنية الحضارات العربية، بين ثقافة تقليدية ساكنة جامدة وبين نمو مالي واقتصادي هائل، وهذا أدى إلى انشطار كبير بين الوعي الاجتماعي والتقدم المادي، فقد أخذت الحضارة صورة مادية صنعية لا روح فيها ولا معنى أو دلالة إنسانية، فالعالم العربي يعيش حالة تناقض وانشطار وجودي يتمثل في التصادم بين أحدث مظاهر الحياة الحضارية الغربية المتقدمة، وبين ثقافات تقليدية تحكمها الروح القبلية السابقة للحضارة.
ولفتت حمد إلى أن التنمية الحقيقية تقاس بمدى حضور القيم الثقافية في حياة الناس وتجليها في أنماط حياتهم، ووفقاً لهذا المعيار يمكن أن نقول إن ثقافة التنمية في مجتمعاتنا لا تأخذ موقع الهيمنة في الحياة العامة للناس، فأنماط السلوك ما زالت تستمد وجودها من ثقافات تقليدية قبلية ويتمثل ذلك في ضعف الولاء للدولة وقيمها بالمقارنة مع قيم الولاء للطائفة والقبيلة. من هنا يمكن القول إن التنمية لم تنجز بعد كثقافة في حياة ووجود مجتمعاتنا، وبقيت تنمية تنظيمية للحياة مرهونة بمؤسسات الدولة وقوانينها، فالتنمية بحاجة لدمج النهضة الوجدانية والروحية الحداثية في بنية الحياة المادية والاقتصادية، والمصالحة بين روح الحضارة وجسدها، وهذا يشكل اليوم أهم وأخطر التحديات في بلداننا وبالتالي فإنه لا يكون إلا بترسيخ الثقافة العقلانية والروح التنويرية التي يمكن أن تشكل منطلق هذه المصالحة. و ختمت حمد محاضرتها بالتأكيد على أننا مطالبون اليوم باستخدام الطاقة النقدية والعقلانية والديمقراطية، وتوظيف العلم والمعرفة وكل القيم الخلاقة في مواجهة تحديات التنمية وغيرها من التحديات للمحافظة على الهوية والكينونة والوجود.
جلال نديم صالح
ت: قاسم سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *