ترامب أضحوكة في “درب التبانة”

علي اليوسف

في عام 1967 تبنّت الهيئة الدولية معاهدة تنظم الاستخدام السلمي والاستكشافات العلمية في الفضاء الخارجي، وفرضت قوانين دولية صارمة بعدم استخدامه ميداناً من ميادين الاشتباك العسكري، وعليه توصلت الدول الكبرى إلى سلسلة اتفاقات ومعاهدات تحظر بموجبها دخول أسلحة نووية وأسلحة دمار شامل في الفضاء الخارجي أو حول مدار الكرة الأرضية.

ومع تسارع التطور التقني في مجال الأسلحة، تحفّزت عدد من الدول لطرح مسودة معاهدة جديدة تحرم سباق التسلح في الفضاء الخارجي، إلا أن الولايات المتحدة رفضت باستمرار الدخول كطرف للتفاوض بشأنها، لأنها كانت ومازالت تعتبر الاتحاد السوفييتي السابق، ولاحقاً روسيا، مصدر تهديد لهيمنتها ونفوذها العالمي.

وبالنظر داخل عقلية التفكير الأمريكي، يظهر جلياً أن تقدم التقنية الروسية عن نظيرتها الأمريكية في بعض الأسلحة، ليس وحده مصدر القلق، بل يضاف إليه بروز الصين كلاعب دولي “بطيء” يضاعف القلق الأمريكي، والتي أثبتت كما روسيا قدرتها للاضطلاع بمهام، وتنفيذ مناورات معقدة في الفضاء الخارجي.

لكن هذه ليست حجة تبنى عليها عسكرة الفضاء الخارجي، كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء تقديمه استراتيجية جديدة لتطوير منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية في البنتاغون منتصف شهر كانون الأول 2019، بل هي ذريعة واضحة للانسحاب من معاهدة الصواريخ، وخلق سباق تسلّح جديد، وهو ما ذكره في تقديمه للاستراتيجبة الجديدة بأن الولايات المتحدة تخطط لبناء 20 محطة جديدة لاعتراض الصواريخ في ولاية ألاسكا.

وفيما يلي أهم ما جاء في التقرير الذي نشره البنتاغون مؤخراً عن السياسات الأمريكية في مجال الدفاع الصاروخي:

1- تقوم موسكو بنشر أنظمة صاروخية أكثر فأكثر تطوراً وتنوعاً، قادرة على حمل رؤوس نووية، بما في ذلك صواريخ ذات مواصفات غير مسبوقة فيما يخص ارتفاع وسرعة ومدى تحليقها، كما تطور روسيا جيلاً جديداً من الصواريخ البالستية والمجنحة، مخصصة للانتصار على الولايات المتحدة وحلفائها في نزاعات إقليمية.

2- يعتبر البنتاغون الصاروخ الروسي 9 أم 729 “الخطر الرئيسي المحتمل” على العسكريين الأمريكيين وعملياتهم، ويصف الصواريخ من هذا النوع بأنها صواريخ مجنحة فعالة للغاية، وهي موجهة ضد أهداف على الأرض، وتحلّق على ارتفاعات منخفضة دون الحد الذي يمكن للرادارات رصدها به.

3- تقوم روسيا والصين بتصميم صواريخ مجنحة وفرط صوتية متطورة، قادرة على التحليق بسرعة فائقة وبمسارات غير قابلة للتنبؤ، وهذا من “التحديات” التي يجب أن تواجهها قدرات الدفاع الصاروخي الأمريكي، كما تقومان بتطوير تكنولوجيات مضادة للأقمار الاصطناعية، من شأنها أن تهدد القدرات الفضائية الأمريكية.

4- يدرس البنتاغون إمكانية نشر عناصر الدفاع الصاروخي في الفضاء، ويشير إلى أن نشر أنظمة الرصد في الفضاء يتيح التفوق، إذ تسمح بمتابعة الأوضاع في مساحات كبيرة، ورصد الضربات المحتملة بمزيد من الفاعلية، بما في ذلك بالصواريخ فرط صوتية.

5- يقوم البنتاغون بتصميم تقنيات ليزر لاستخدامها في أنظمة سيتم نصبها على أجهزة فضائية مسيرة لرصد وتدمير صواريخ في المراحل الأولى من تحليقها.

6- يجب أن تجمع عناصر الدفاع الصاروخي الأمريكي بين القدرات الدفاعية والهجومية لاحتواء الأخطار، بما في ذلك اعتراض الصواريخ في كافة مراحل تحليقها، وكذلك قدرات التخفيف من عواقب ضربة صاروخية محتملة، وقدرات هجومية لـ “تحييد المخاطر الصاروخية قبل عمليات الإطلاق”.

7- الولايات المتحدة لاتزال تأخذ الخطر النووي الناجم عن كوريا الديمقراطية على محمل الجد، مشيرة إلى أن بيونغ يانغ تطور منظومة متنقلة للدفاع الصاروخي بناء على التكنولوجيات الروسية.

إذاً، من خلال ما تقدم يتبيّن أن ترامب يسعى إلى إحياء مشروع الرئيس الأسبق رونالد ريغان: “إنشاء قيادة سلاح الجو فضائية” التي أقرت في عام 1982 بتفويض  محدد لتسخير الموارد الفضائية المتاحة في العمليات والطلعات الجوية، وتحقيق النصر في الجو والفضاء الخارجي والفضاء الالكتروني”، تمهيداً لبرنامج حرب النجوم، لكن  قرار ريغان لم ير النور، وسعى الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لإحيائه مرة أخرى دون جدوى، نظراً لعدم توفر التقنيات المتطورة اللازمة للقيام بتلك المهام المعلنة، فضلاً عما شكّله من انتهاك للمعاهدات السابقة مع الاتحاد السوفييتي السابق للحد من الصواريخ البالستية.

واليوم يعود ترامب لإحياء هذا المشروع بهدف دغدغة عواطف المترددين من أنصاره في الحزب الجمهوري، والمزايدة عليهم، لأن ذلك يقتضي قيام الكونغرس بإصدار عدد من القوانين لإنشاء القوة الفضائية وتمويلها، ولا يستطيع الرئيس منفرداً إنشاء فرع جديد للقوات المسلحة.

حتى قبل عرضه هذه الاستراتيجية في هذا العام، كان وزير دفاعه المستقيل جيمس ماتيس من أبرز المعارضين لنزوة ترامب الفضائية، إذ أرسل مذكرة مفصلة للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، آذار 2018، يعرب فيها عن الكلفة الباهظة التي ستراكمها تلك الخطوة، وتفتح الأبواب على مصراعيها للإنفاق العسكري، وما يرافقه من هدر في الميزانيات المخصصة، وازدواجية التشكيلات البيروقراطية.

الموقف الروسي

منذ إعلان ترامب نيته إعادة إحياء حرب النجوم، أبدت روسيا حسن النوايا، وأكدت انفتاحها للحوار مع أمريكا، ولكن حتى حسن النوايا قوبل بتعنت ورفض لمبدأ الحوار، وهو الأمر الذي دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتعهد باتخاذ إجراءات جوابية فعالة، وقال في مقابلة مع برنامج “أخبار المساء” في التلفزيون الصربي: “في الحقيقة تتبع الولايات المتحدة عملياً نهجاً يرمي إلى إزالة نظام الاتفاقات الدولية في مجال السيطرة على الأسلحة التي تكتف أيديها فيما يخص زيادة قدراتها العسكرية، أو تحاول تطبيقها بصورة اختيارية، أي في الأبعاد التي تتماشى مع مصالحها”.

هذا الكلام يعني صراحة أن روسيا لن تغض الطرف عن انتشار الصواريخ الأمريكية التي تمثّل تهديداً مباشراً لأمن روسيا، “سنكون مضطرين إلى اتخاذ إجراءات جوابية فعالة رداً على ذلك”.

في الواقع تحتفظ روسيا بهيكلية فاعلة لقواتها “الجوية الفضائية” أنشأتها بقرار من الرئيس السابق ديمتري مدفيديف عام 2011، وبدأ استكمال مهامها في الأول من آب 2015، ووصفها معهد غلوبال سيكيوريتي الأمريكي بأنها “ابتكار هيكلي كبير يمكننا اعتباره محاولة لإعادة الاعتبار للقوات المسلحة للاتحاد السوفييتي السابق”.

لكن قائد القوات الجوية الفضائية السابق فيكتور بونداريف أوضح مبررات إنشاء تلك القوة الجديدة بأن الهدف منها توحيد القوات العسكرية الجوية، وقوات الدفاع الجوي، والقوات الفضائية، أي عن طريق تغييرات هيكلية، وهذا لم يؤد على الإطلاق إلى عسكرة الفضاء.

إن “نزوة ترامب” لا تعدو كونها محاولة أخرى بائسة للعودة لعقلية العسكرة ونشر العمليات العسكرية في الفضاء الخارجي، هدفها استمرار الهيمنة الأمريكية في الفضاء الخارجي، وهو الأمر الذي أثار قلق روسيا، وقلق فروع الأسلحة الأمريكية حول المهام الغامضة في إعلان ترامب، وعليه لا تعير فروع الأسلحة المعنية “نزوة ترامب” اهتماماً كبيراً في الظرف الراهن، ولاتزال تطرح تساؤلاتها المشروعة حول الحاجة الملحة لإنشاء “قيادة فضائية موحدة”، وحتى عندما طرح الرئيس ترامب نواياه الأولى في هذا الصدد، آذار 2018، وصفتها بعض الأجهزة الإعلامية بأنها
“.. تجعل منه أضحوكة في درب التبانة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *