محور الاستراتيجية الأمريكية الجديدة

محور الاستراتيجية الأمريكية الجديدة

 

ريا خوري

لم تتوقف الولايات المتحدة عبر تاريخها الطويل نسبياً في البحث عن عدو تستطيع من خلاله التوغل بجغرافيته وسياساته والعبث به من أجل مزيد من السيطرة. فقد بدأ تاريخ الولايات المتحدة منذ عام 1783 بعد ما أُطلق عليها حرب الاستقلال، وقد خرجت في هذه الفترة برقعة محدودة وصلت إلى 13 ولاية. وقوة بشرية لا تزيد عن الأربعة ملايين نسمة، وكانت تلك النواة التي نمت بسرعة هائلة لتصبح أعظم قوة في العالم وأغناها في خلال ١٥٠ عاماً، وما زالت تحتفظ بتفوقها العسكري والاقتصادي وقوتها الضخمة منذ أكثر من خمسين عاماً باستخدامها نهج البحث عن عدو.
انطلقت الولايات المتحدة الأمريكية من نواتها باتجاه المحيط الهادئ على حساب السكان الأصليين من الهنود الحمر، واشترت لويزيانا من فرنسا عام 1803 بعد صراعات عدة، واستولت على فلوريدا من إسبانيا عام 1819، وضمّت ولاية تكساس من المكسيك عام 1848، واستطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تتحوّل من دولة صغيرة متشرنقة على سواحل المحيط الأطلسي إلى دولة تتصف بأنها القارة التي تسيطر على المحيطين الأطلسي والهادئ، وبدأت سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً تعمل على تشكيل اتحاد كونفيدرالي قبل أن تتحوّل إلى نظام فيدرالي، وهكذا فإن حدود الولايات المتحدة الأمريكية الجغرافية الحالية قد تشكّلت واستقرت قبل أقل من 150 سنة. ليس هذا فحسب بل امتد نفوذها إلى معظم دول العالم عبر الحروب والهيمنة والضغط والسيطرة. وهي ما زالت تبحث عن عدو لاستثمار وجوده، وخاصة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الفيتنامية وحرب الخليج والعراق وأفغانستان واليمن وليبيا وسورية.. وما بينها. وكانت البوصلة السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية قد تأرجحت بين الترويج للخطر الشيوعي الأحمر القادم من الاتحاد السوفييتي السابق طوال حقبة الحرب الباردة، ثم الاحتشاد لمجابهة ما أُطلق عليه (الإسلاموفوبيا) أو الخطر الأخضر القادم من بلاد العرب والمسلمين منذ النصف الثاني من القرن الماضي، إلى أن استقر الرأي الاستراتيجي على اعتبار روسيا والصين هما الخطر الجديد والأهم في هذه المرحلة، حيث يتطور هذان البلدان بشكلٍ متسارع من خلال المنافسة في كافة المجالات. مما دفع قادة واستراتيجيي الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2018، واعتبار هاتين الدولتين خطراً من خلال المنافسة وليس الإرهاب لمنظومة تمّ استخدامها لعقود. كما اعتادت الولايات المتحدة تسمية الدول المنافسة روسيا والصين هما (الأعداء)، وهما التحدي الأكبر للأمن القومي الأمريكي في الوقت الراهن، وخاصة في زمن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يعدّ من كبار تجار الولايات المتحدة الأمريكية والمتحدث باسم أكبر الكارتيلات والمجمعات الصناعية العسكرية الضخمة والشركات عابرة القارات وعابرة القوميات وعابرة الحدود.
وها هي قد وجدت الآن في روسيا والصين عدواً جديداً مهماً يمكن من خلاله السيطرة على دول في آسيا الوسطى، فقد أكد عدد كبير من استراتيجيي الإدارة الأمريكية وقادتها أن هذا الموضوع ركن ثابت في سياسة الولايات المتحدة، وأمر لا غنى عنه لتحقيق أهداف داخلية وخارجية عدة. فالولايات المتحدة إذا لم يناصبها أحد العداء ستختلق عدواً، لأنها وحسب إستراتيجيتها لا يمكنها أن تعيش بلا أعداء أبداً، فبغيرهم تتوقف الصناعات الدفاعية، وما تنتجه مجمعات الصناعات الحربية الضخمة، وهي تبحث بشكل مستمر عن عدو أو خطر خارجي ليتمّ تسويق منتجات تلك المجمعات والكارتيلات العسكرية، ومن دون ذلك سيكون من الصعب تمرير وتبرير الكثير من القرارات السياسية والداخلية والخارجية.
إنَّ هذه التوطئة الضرورية تأتي بعد صدور التقرير السنوي لمؤسسة “هيريتدج” الأمريكية الشهيرة، الذي يتناول بعمق من خلال البحث والتقييم مستوى أداء وجاهزية المؤسسة العسكرية الأمريكية.
التقرير الذي لم يُنشر إلا ضمن نطاق محدود يقع في ٥٠٠ صفحة من القطع الكبير، وصدر باسم (مؤشر القوة العسكرية الأمريكية)، ويغطي نشاط عام ٢٠١٩، وهو عمل وصف بأنه جاد ورصين برأي عشرات الخبراء العسكريين والباحثين والسياسيين. كما تزداد أهميته بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي تربط هذه المؤسسة البحثية المحافظة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب والجمهوريين بصفة عامة، وتعبيرها عن توجهاتهم الإستراتيجية.
لذلك ليس من المستغرب أن يتماهى التقرير مع وجهة النظر الرسمية باعتبار المنافسة (الصراع) مع الصين وروسيا هي الخطر الحقيقي والتحدي الأكبر الذي يواجه الأمن القومي الأمريكي، بينما بقي الخطر الإيراني في الحدود نفسها التي كان عليها العام الماضي. كما أكّد التقرير تراجع خطر الإرهاب بعد هزيمة تنظيم “داعش”. نقطة الضعف العسكرية المركزية التي رصدها التقرير، هي أن الجيش الأمريكي ليس بمقدوره خوض حربين كبيرتين في وقت واحد، ويعود السبب في ذلك إلى نقص التمويل والإمداد اللوجستي.
وكما هو معروف لدينا في سورية لم يمر تقرير بهذه الأهمية والموضوعية دون حوارات ومناقشات واسعة بين الاستراتيجيين والقادة الأمريكيين حول إمكانية قيام حربين متزامنتين، والتي تصدى لها بقوة الباحث وليام هارتونج مدير مشروع التسلح والأمن في مركز السياسات الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد أكد الباحث وليام هارتونج من وجهة نظره أن طرح هذه القضية الآن، هو إعادة إنتاج أسطورة قديمة ابتدعها البنتاغون لتبرير طلب مزيد من الأموال والدعم اللوجستي المستمر، بينما الأزمة الحقيقية ليست قلة التمويل والدعم، بل الإدارة المتخبّطة للمؤسسة العسكرية الأمريكية على ضخامتها.
أما المنافسة (الصراع) مع الصين وروسيا، فهي من الأساليب القديمة التي اتبعتها وتتبعها الولايات المتحدة للبحث عن عدو خارجي، ولكن الواضح تماماً أنها من دون مبررات مقنعة هذه المرة، لأن ما تمّ اعتباره أخطاراً تواجه الأمن القومي الأمريكي التي تمثلها الدولتان لا يمكن مواجهتها بالقوة العسكرية وما تحمله من خطر كبير جداً. ففي حالة روسيا يأتي التهديد الحقيقي من دعم الأحزاب القومية المتطرفة في العالم وهي كثيرة جداً، والهجمات الإلكترونية الضخمة، وإطلاق سباق تسلح جديد لا يمكن إدراك مداه. أما بالنسبة للصين فيقتصر تهديدها على الجانب الاقتصادي وهو مهمّ جداً أيضاً، وبالتالي لن تجدي زيادة ميزانية الجيش الأمريكي نفعاً في حل تلك المشكلات وتبعاتها.
ويرى الباحث وليام هارتونج أن الإستراتيجية الصحيحة للتعامل مع الصين وروسيا تركز على إيجاد سبل للتعاون معهما والتنسيق الجيد، ومنع اندلاع حرب ضدهما لخطورة تلك الحرب ونتائجها التدميرية المروعة، وليس نسج سيناريوهات لحروب محتملة. إن فكرة التنافس (الصراع) مع الصين وروسيا في حدّ ذاتها تبدو غامضة وغير واضحة وفضفاضة على حدّ وصف باحثة أمريكية أخرى هي مارا كارلين، التي شغلت منصب المساعدة السابقة لوزير الدفاع الأمريكي، وأستاذة الإستراتيجية حالياً في جامعة جون هوبكنز. فقد أكدت من وجهة نظرها أنّ التحديات الحقيقية التي تواجه الأمن القومي الأمريكي هي التغييرات المناخية، واتساع رقعة التطرف، وصعود التيارات اليمينية، والظلم والجور في العالم، وليست لها حلول عسكرية لأن الحل العسكري له عواقب وخيمة على العالم بأسره.
في نهاية المطاف وبعد حوارات ومناقشات جدية يؤكد الباحثون الأمريكيون أن إستراتيجية الأمن القومي الحالية ملأى بالتناقضات وتفتقر إلى التنسيق والتدبير اللازم، كما أنها غير واقعية ولا منطقية من حيث الأهداف والأدوات والوسائل التي يمكن أن تتبع، فلماذا يجب اعتبار الصين وروسيا عدوين؟!، وإذا كانت الحرب العسكرية غير مطروحة معهما، فلماذا تمّ استدعاء القيادة العسكرية العليا عند مناقشة سبل مواجهتهما ووضع خطط واستراتيجيات وسيناريوهات محتملة؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة