محمد كامل صالح قامة السنديان

محمد كامل صالح قامة السنديان

 

إن تكن الأيام قد ظلمت شاعراً مجيدأ لم تعطه حقه في الظهور فقد كان الشاعر نفسه لنفسه أظلم، لأنه بتواضعه الجم لم يكن يحب الظهور ولكن حسناً أن هناك من يبحث عن الدرر في هذا الزمان الصعب، إذ كان إحدى القامات التي خصصتها وزارة الثقافة في ندوة “قامات في الفكر والأدب والحياة” للشاعر الراحل محمد كامل صالح، في مكتبة الأسد الوطنية بإدارة د. إسماعيل مروة.

غابة الشعر
بين أب وأم، وخال وجد جميعهم يشكلون غابة للشعر، تحدث د. محمد قاسم في بحثه “المؤثرات التراثية في شعره” عن البيئة الثقافية التي يتحدر الشاعر منها: أسرة أدبية ذات وزن باذخ في العلم والدين ضاربة الجذور في الشعر، فوالده الشيخ كامل صالح ديب أحمد المعروف نسباً وعلماً وكرماً، وأمه العالمة فتاة غسان “فاطمة سليمان الأحمد”، وخاله بدوي الجبل محمد سليمان الأحمد سيد شعراء الأدب بلا منازع، إن هذه البيئة الزاخرة بالعلم والنبل من كل وجه كفيلة بأن تصنع من أطفال الكبار رجالاً دفعة واحدة بلا مقدمات. ومن المؤثرات التراثية في شعر صالح تبدأ من القرآن الكريم، كتاب العربية الأول فيه صينت ومن أجله نشأت علوم اللغة، ومن ثم يأتي الشعر العربي القديم، فالشاعر الحق من يختزن في ذاكرته دواوين الفحول من الشعراء، حتى إذا تحركت شهوة الشعر وجاشت رغبة القول أمده مخزونه بما شاء من الألفاظ الفصاح العتاق مسبغاً عليها من روحه وشاعريته ما يضمن لها حياة رغيدة ينبو عنها الموت.

شعر الوجود
“أين ديوانك أيها الشاعر؟”، سؤال كان قد وجهه الأديب حسين راجي إلى الشاعر محمد كامل صالح قبل أن ينشر ديواناً شعرياً وخلاصة الجواب يوجزها الشاعر في قوله :”أما الشعر فهو الإنسان نفسه”.
هذا ما بدأ به المحاضر د. أنس بديوي حديثه عن الشاعر في بحثه الذي حمل عنوان “محمد كامل صالح شعر الوجود والحب”، فالشعر عنده رفض للأشياء المكتوبة وشطح إلى الأماكن النائية، ويبدو أن الشعر عند محمد كامل صالح يتوافق مع ما جاءت به الشعرية العربية، التي قدمت تصوراً للإبداع الشعري بوصفه إلهاماً مستمداً من قوى خارجية قادرة، وهو مايعلل ظاهرة الشيطان التي ترسخت في النظرية الشعرية العربية، وهو ليس ملهماً فقط بل يلقي على الشعراء جيد أشعارهم أيضاً.
ويتابع د. بديوي: مصطلح شعر الوجود أطلقه نعيم اليافي على الشعر القومي لأنه يعبر عن الحرية مثلما يعبر عن الكينونة، ويعبر عن الحق في الشهادة في سبيل هذا الحق، كان شعراً يربط الفرد بالأمة، ويربط الاثنين بالتاريخ والجغرافية، بالماضي والمستقبل، ومايميز شعر الوجود عند محمد كامل صالح هو انطلاق الشاعر من محيطه وبيئته، فهما المؤثر الفعال والأساسي في تشكل الوعي. وإذا كان مرتكز التغيير المؤسس على الفعل الثوري هو أبرز توجهات الفكر القومي، فلا غرو أن يرصد النص الشعري مكونين رئيسين لتجليات ذلك الفعل، المكون الأول هو الفلاح، البائس المستغل من طبقة الأغنياء، فيقول الشاعر مصوراً حال الفلاح في قصيدة “ثورة” في عام 1945:
“يارفيقي الفلاح/يقتلك البؤس/ليحيا.. ببؤسك.. الأغنياء/تكدح الدنيا دائباً/ولك الأسمال/والجوع.. في الحياة..جزاء”
ولا تغيب عن مكونات النص الشعري صورة البطل الأنموذج التي قدمها الشاعر بوساطة تجليات صورة القائد الخالد “حافظ الأسد” سنديانة الشام على حسب تعبير الشاعر، إذ وقفت سورية بعبقرية قائدها وبقراراته التاريخية الإستراتيجية مع ثورة الشعب الإيراني، على حين كانت مصر مستقر شاه إيران، حيث قال في قصيدة “السفر في جراح الصقور” عام 1979:
وقفت سنديانة الشام/عُنفا.. وانحنى الحور/عندهم: تهذيبا
ولعل انتصار تشرين من أهم محطات “شعر الوجود” عند شاعرنا، إذ طويت صفحة من كتاب الذل التي كان ينوي أن يزين العدو الصهيوني بها تاريخ حقده وإجرامه.

التواضع والشهامة
كثر أولئك الذين يغيبون عنا وقلة أولئك الذين يكون حضورهم أقوى من الغياب هذا مابدأ به الشاعر حسين عبد الكريم وصفه للشاعر محمد كامل صالح الذي كانت الشهامة عنده فن وتكوينات نفسية، وقصيدة اجتماعية، يكتبها وجدانه وسلوكه ورخاء روحه. ويتابع عبد الكريم وصفه للشاعر بجمل شاعرية تلامس الوجدان وتنم عن احترام وتقدير للشاعر فيقول: كتبت يوماً “محمد كامل صالح شاعر كبير بإعلام صغير، لكن الإهمال نبعه الأول الشاعر ذاته”.

مدارس الشاعر
مدارس خمس نشأ عليها الشاعر وتأثر بها حياتياً وفنياً وفكرياً وأدبياً وإنسانياً، مدارس استفاض بالتعريف بها نجل الشاعر الراحل الأديب كمال صالح فيقول: أنا مع هيلانة ضد جيوش الإغريق، هكذا قال الشاعر وبهذه الكلمات نستطيع أن نفهم الروح الإنسانية العالية التي كان يتحلى بها الشاعر محمد كامل صالح، والتي انحازت إلى الحب والإنسان ضد جيوش الإغريق، إنه واحد من هؤلاء الشعراء الكبار في حياتنا الثقافية ومن الذين شق قاربهم بحوراً تجيش بأنوار التجارب على مدى عمره كإنسان، ومدى وجوده كواحد من الذين ورثوا المعرفة الإنسانية، ورغم الصعاب ومتاهات الإبحار على خريطة لا تغطي إلا القليل من مساحة الرحلة، واصل طريقه مهتدياً بالتراث التنويري الذي خلفه جده الشيخ سليمان الأحمد فكان بيته مدرسته الأولى، وكانت والدته الوثابة العطشة إلى آفاق جديدة في واقعنا الذي يدعو للحزن والرثاء وإلى التحرر من محدودية الزمان والمكان فكانت فتاة غسان مدرسته الثانية، في أرض بلاده التهم الشاعر كل القصص الشعبية، وكان يتمثل له في كل حبة تراب من هذه الأرض أن يرى باباً يفتح له، أو تلك الجنية الحلوة التي تأخذه معها إلى المجهول فكانت تلك المدرسة الثالثة، أما المدرسة الرابعة التي تأثر بها الشاعر فكان معلمه رئيف خوري أحد رواد الأدب العربي وكان سيد الكلمة الحرة على حد وصف الشاعر فقد كان هذا المفكر يدعو طلابه إلى إغناء تجاربهم بتجارب العالم، أما الجندية فكانت المدرسة الخامسة التي تعرف الشاعر من خلالها على مأساة الأمة العربية في فلسطين، وشاهد بأم عينيه تسليم البلاد للصهاينة، هذه المدرسة كانت عنيفة بالنسبة له.
كان الشعر كل حقيقة وكل دنيا محمد كامل صالح، ما تميز به الشاعر في جميع مراحل حياته الشعرية أنه سيظل ذلك الإنسان الذي يحلم بالتغيير ويجعل من الفعل الإنساني فعلاً شعرياً، يحتوي ويعكس أدق خلجات قلب الإنسان، القلب الذي يعرف أن يمزج الخاص بالعام، والعام بالخاص.

عُلا أحمدa

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة