وشم القدر

سلوى عباس

في هذا اليوم الذي استذكرت فيه أيامها الماضية حضرت في ذهنها عبارة لقريبة لها كانت ترعبها ندوب توضعت على وجهها بسبب حادث حصل معها في طفولتها، من أن لا تحقق حلمها في الحياة بأسرة تعوض من خلالها ما افتقدته مع أهلها، فكثيراً ما كانت تردد “الفتاة الجميلة لا تخيفها الأيام”، رغم أنها كانت متفوقة دراسياً وحصّلت مراتب دراسية عالية، لكن ظل هاجس أن يكون في حياتها شخص يرسم تفاصيل حياتها هو الغالب على تفكيرها، وكان لها ما تمنت والتقت بشريك حياتها وأسست معه أسرة لا أدري إن كانت على مستوى ما تمنتها يوماً، أما قريبتها التي كانت تغبطها جمالها الذي ظنت انه سيكون جواز سفرها الأهم، فقد أخذتها الحياة في مساربها المتعرجة، وتركتها هائمة في الحياة كيمامة ضلت طريق عشها، يتلبسها حزن مطبق على روحها، كلما حاولت الإفلات منه زادت الحبال حولها تشابكاً، وحكايات أمها وما اختزنت في ذاكرتها من تفاصيل براءتها لم تنقذها من كذب الآخرين عليها، وسرقتهم لسنين من عمرها، والحظ الذي خانها مرات ومرات.

يبدو من مفارقات القدر أنه في النهاية يفرض علينا ما يريده ويوشم أرواحنا بوشومه، لنكتشف بعد مرور الزمن أن كل ما حققناه في حياتنا، وما لم نحققه رهن أقدار محضرة لنا فنرى أنفسنا كما وردة أغلقت الظلمة جفونها طوال ليل من برودة وسكون ثم خلخلت ضياءات النهار وريقاتها بالانتعاش الذي تعيشه للحظات، لتعود مرة أخرى إلى سباتها علها تقع في شرك حلم آخر يعيد انتعاشها.

****

استمرت حياتهما بكثير من الهدوء والحب الذي أثمر طفلة لوّنت بهجتهما بالحياة، لكن فجأة وفي غفلة من الزمن أخذ سور من الأشواك ينمو بين قلبيهما، وقامت بينهما وديان من برد يلفها الضباب فتضيع الرؤيا، وتزيد إيغالاً في البعد، وكانت هناك محاولات كثيرة لإعادة ماء الود إلى جدوله دون جدوى. يبدو أن ما يكتبه القدر لا يمكن للإنسان أن يهرب منه، وكان القرار الصعب بالانفصال وهي لم تكمل ربيعها الثلاثين، ففي غمضة عين تغيّرت ألوان الحياة إلى الرمادي وتبدلت حياتها، ورسم ظليل من ألوان الروح يسكب على الأنحاء استطالات السهر، كيف ستواجه أزمتها ومعها طفلة ستتحمل عبئها وحدها، وكيف سترتب أبجديات حياتها بمفاهيم وقيم اختلفت كثيراً بمفارقاتها عما آمنت به، فمن أين تأتي بممحاة لذكرياتها، ومن يعطيها موهبة أن تنسى، وأن تحيل التباين في الأشياء مستوياً، تساوي الحب بعدمه، والصوت بالصدى، ولون الحياة بالضباب؟. كيف ذلك وهي امرأة مسكونة بالرهافة والإحساس.

هذه الحالة تتكرر في الحياة، ولكن كيف لأقدارنا أن تسير بهذا المنحى، وكيف تتغير قناعاتنا وأفكارنا، فهل نحن الذين نساهم بهذه الأقدار ونبرر ظروفها التي تصنعها، أم أنها كما قالوا لنا، مكتوبة في سفرنا الأزلي، فمن يغفر لامرأة ربيعها موقوت لقطرة من نبع الحب الزاهي توقظ أضلاعها من نعاسها الطويل، ومن يمد لها يداً من حنين تنتشل روحها من معاصر الحزن، وهي التي رغبت أن تعيش صدق ذاتها وقناعاتها، بعيداً عن زيف يقتلها كل لحظة لترضي الآخرين وتخسر روحها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *