“غاتسبي العظيم” رواية من كلاسيكيات الأدب الأمريكي

“غاتسبي العظيم” رواية من كلاسيكيات الأدب الأمريكي

تقع الأحداث في لونغ آيلند المزدهرة في عام 1922، حيث تقدم رواية “غاتسبي العظيم” وصفاً دقيقاً للمجتمع الأمريكي في فترة العشرينات الصاخبة من القرن الماضي ضمن إطارها السردي، تلك الحقبة التي شهدت ازدهار اقتصادي غير مسبوق وتطور موسيقى الجاز وانتشار ثقافة الفلابر رواج التهريب والنشاطات الإجرامية الأخرى آنذاك. في الواقع، الرواية التي كتبها الكاتب الأمريكي فرنسيس سكات فيتزجيرالد وتعتبر واحدة من كلاسيكيات الأدب الأمريكي وإحدى أهم الوثائق الأدبية التي أرَّخت لعقد العشرينيات الصاخب الذي شهد تحولاً كبيراً في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للشعب الأمريكي بعد الحرب العالمية الأولى، التحول الذي استند إلى الرخاء الاقتصادي آنذاك والذي كان أداة لدى الكاتب لتصوير المرحلة والولوج بخبايا الحلم الأميركي.

يُسخّر فيتزجيرالد جميع هذه التطورات الاجتماعية لبناء قصة غاتسبي ابتداءً من أبسط التفاصيل مثل السيارات إلى موضوعات أوسع مثل ثقافة الجريمة المنظمة التي هي مصدر ثراء غاتسبي، وكانت زيارات فيتزجيرالد إلى الشاطئ الشمالي للونغ ايلاند وحضوره للحفلات الضخمة في القصور هي السبب الذي ألهمه لكي يكتب هذه الرواية.

قصة الرواية

تبدأ الأحداث الفعلية للرواية في صيف عام 1922، على لسان “نك كاراويه” خريج جامعة ييل ومحارب سابق خلال الحرب العالمية الأولى، من الغرب الأوسط حيث يجد وظيفة كبائع سندات في نيويورك. استأجر “نك” بيت بجانب قصر فخم يملكه شخص يدعى “غاتسبي”، مليونير غامض يقيم الحفلات الصاخبة في معظم الليالي. وقبالة خليج البيضة الغربية تقع بلدة البيضة الشرقية حيث تسكن هناك قريبة “نك” “دايزي” وزوجها “توم”. في أحد الأيام يذهب “نك” لمقابلة “دايزي وتوم” بعد أن تمت دعوته إلى العشاء، فيتعرف هناك على “جوردان بيكر”، وهي لاعبة غولف جذابة في مقتبل عمرها وسرعان ما يقع “نك” في حبها، حيث تكشف له خلال حديثها بأن لدى “توم” عشيقة اسمها “ميرتل” تعيش قرب مكب النفايات الصناعية الواقع بين البيضة الغربية ومدينة نيويورك.

مع تقدم الصيف، يتلقى “نك” دعوة مفاجئة إلى إحدى حفلات “غاتسبي”، فيصطحب معه “جوردان بيكر” إلى الحفلة وهناك يقابلان “غاتسبي” شخص منعزل وصغير السن حيث يتعرف على “نك” من خلال لقائها السابق في الحرب حيث كانا يخدمان في نفس القسم، ومن خلال “جوردان” يعلم “نك” لاحقاً بأن “غاتسبي” عرف “دايزي” مسبقاً خلال علاقة حب جمعتهما عام 1917 وأنه لا زال مغرماً بها، كثيراً ما يمضي “غاتسبي” لياليه محدقاً في الضوء الأخضر الواقع في نهاية ميناء منطقتها من قصره عبر الخليج، آملاً بأن يجد حبه الضائع يوماً ما، نمط حياة “غاتسبي” الفخم وحفلاته الصاخبة ما هي إلا محاولة لإبهار “دايزي” على أمل أن تظهر يوماً ما على عتبة بيته. يطلب “غاتسبي” من “نك” أن يرتب له لقاءً يجمعه مع “دايزي” فيوافق “نك” على هذا ويدعوها إلى زيارته من أجل شرب الشاي دون أن يخبرها بأن “غاتسبي” سوف يكون هناك أيضاً، بعد بداية مربكة تعرض لها “غاتسبي ودايزي” عند لقائهما، يبدأن بعلاقة عاطفية مرة أخرى كما في الماضي، وبعد فترة يبدأ “توم” بالشك بأن زوجته على علاقة مع “غاتسبي”، على مأدبة غداء يحدق “غاتسبي” في “دايزي” بنظرةٍ مليئة بالشغف والحب نحوها، وفي تلك اللحظة يتأكد “توم” من شكوكه حول عاطفة “غاتسبي” نحو “دايزي”. بالرغم من أن “توم” نفسه لديه علاقة خارج إطار زواجه إلا أنه يصبح غاضباً جداً بسبب خيانة زوجته له، فيجبر “توم” المجموعة على الذهاب إلى نيويورك حيث يواجه “غاتسبي” في أحد أجنحة فندق بلازا، ويؤكد “توم” لغاتسبي بأن لديه علاقة مع زوجته، ويخبر زوجته بأن “غاتسبي” ما هو إلا مجرم جمع ثروته من تهريب الكحول ونشاطات غير شرعية أخرى. تدرك “دايزي” بأن ولائها لزوجها فقط، فيقوم بإرسال “دايزي” إلى البيضة الشرقية مع “غاتسبي” عن عمد ليبرهن له بأن لا يستطيع إيذائه أو تغيير رأي زوجته.

قمصان غاتسبي والفرح

عندما تحولت الرواية إلى فيلم، لقد لفت انتباه الجميع مشهداً قد يبدو غريباً ومميزاً حين يقوم غاتسبي “الرجل ذو الثراء الفاحش والحديث في آن واحد” بنثر قمصانه الملونة الثمينة في الهواء وهو يصرخ معلناً عن المواد الأولية التي تشكل خام هذه القمصان: حرير، كتان، حرير، صانعاً غيمة بهيجة ملونة في مشهد سيريالي غريب من نوعه في الوقت الذي يكون فيه “نك كاراوي” و”ديزي” يشاهدونه ويتفرجون عليه، لقد جاءت “ديزي” بعد أن تحايل عليها ابن عمها “نك” للقدوم بناءاً على طلب غاتسبي، لتشهد الموقف هذا، وكانت ردة فعل “ديزي” اتجاه مشهد القمصان البكاء، وعندما سُئلت عن سبب البكاء قالت: الجمال، جمال مشهد القمصان والألوان البهيجة جعلاني أبكي فرحاً.. ولكن، هل كانت جملتها صحيحة؟ ما معنى أن تبكي سيدة مثلها أمام مجموعة من القمصان الملونة؟.

وفي مشهد آخر من الرواية يتردد “نك” في وصف صوت بنت عمه “ديزي”، فيقول: إن صوتها مشحون بالــ.. فيكمل “غاتسبي” مفعم بالمال، صوتها مفعم بالمال، المال الذي استسلمت له ومنعها من انتظار “غاتسبي” حتى يعود من الحرب للزواج منه، كان “غاتسبي” تواقاً لإعادة عقارب الزمن للوراء، أما “ديزي” هي الأخرى كانت تواقة حين طلبت منه ارتداء بدلته العسكرية قبل الرقص. في الحقيقة، لم يتمكنا من التلاعب بالماضي، ويكون في النهاية مصير “غاتسبي” الاغتيال وسط صخب موسيقى الجاز، أما نك كاراوي فكان مصيره الهرب إلى الغرب الأوسط من الاشمئزاز الذي شعر به تجاه الأشخاص الذين كانوا يحيطون بحياة “غاتسبي” والفراغ الأخلاقي لنمط حياة الأثرياء والسعي وراء الحلم الأمريكي.

جمان بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة