جائحة كورونا.. المخاطر العالمية والرؤى المستقبلية

ترجمة: علاء العطار

عن موقع “فالداي” 15/5/2020

 

طبقاً لأولريتس بِك، البروفسور الألماني في علم الاجتماع، تتسم المخاطر العالمية بثلاث سمات مميزة، وهي:

– اللاتوضّع: أي لا تقتصر أسبابه على موقع جغرافي واحد.

– اللاتناهي: عواقبه لا تحصى من حيث المبدأ.

– عدم قابلية التعويض: أي التركيب الوراثي البشري يتيح تدخلات محتملة في الوجود البشري.

جميع هذه الميزات تظهر في مخاطر كوفيد 19، بل زادت لتصبح أكثر تعقيداً، وعليه، لا يتعلق اللاتوضع بالموقع الجغرافي فحسب، بل بالفضاء الحيوي أيضاً، إذ يلفت بعض العلماء الانتباه إلى انتشار الفيروسات التي يمكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان وبالعكس، ما يجعل علاج الأمراض أكثر صعوبة، وتضاعف اللاتناهي نظراً لعدم وجود طرق معروفة لتقديرها، وإلى جانب ذلك، علينا ألا نتحقق فقط من الضرر الناتج عن الفيروسات الحقيقية، ولكن من الضرر الذي تسببه الحيرة الناتجة عنها، والمقصد أن العديد من مخاطر كوفيد 19 مبنية اجتماعياً وثقافياً، وظهرت الكثير من الخرافات والأخبار الكاذبة حول تأثيرها، وكل البشرية تراقب موت الكثير من الناس في زمن حقيقي، وقد لا يدرك بعض المشاهدين أن وعيهم يتعرّض لصدمة، فغالباً ما يتقبّلون الأخبار المبالغ بها كحقيقة تزيد من آثار “الخوف المائع”، (مصطلح ورد في كتاب لزيغمونت باومان) الذي أصبح اليوم عالمياً بطبيعته، وهذا يشكّل غشاوة تمنع التمييز بين مخاطر كوفيد 19، والإدراك الثقافي لها، ولذلك فإن عدم قابلية التعويض لا يعتمد فحسب على التدخلات في جسم الإنسان، ولكن على الصدمات المستعصية للإنسانية والعقلانية الجوهرية، أي عوالم حياة الناس.

يبدو للوهلة الأولى أن التعرف على المخاطر المعقدة التي يشكّلها كوفيد 19 قد يؤدي إلى نوع من الشعور بالمسؤولية ما بعد القومية، ويعطي بداية لوضع نظام عالمي للرقابة الطبية ذات التوجه الإنساني، والذي يهدف إلى مكافحة مختلف الأوبئة، إذ يجادل بعض القادة السياسيين بأن عواقب الوباء قد توحد البشرية بعد سنوات من المواجهات بينهم، لكن الصورة الحقيقية هي العكس، ففي أوروبا وجميع أنحاء العالم، بإمكان المرء أن يرى التفكك والعزلة، بل حتى صعود القومية وكراهية الأجانب، وباتت القيم الأوروبية المعلنة غير مفيدة، ففي نظر الايطاليين، تعد المخاطر التي يشكّلها كوفيد 19 أكثر أهمية من التهديدات الأخرى، ويتوقعون نتيجة لذلك مساعدة من الاتحاد الأوروبي، لكن المنظمة مشلولة ولا تتخذ قرارات تقدم الدعم الطبي والمالي والنقدي اللازم، والاختلاف في مصالح جميع دول الاتحاد الأوروبي واضح، فلم يغلقوا حدودهم فحسب بموجب أشباه القوانين، بل يطبقونها على التعبئة الوطنية، ويوقفون التعاون الاجتماعي والطبي الذي يعد مهماً للغاية لإدارة المخاطر العالمية الجديدة، وليس هناك وسيلة للتغلب على أساطير الوباء، علاوة على ذلك، ظهرت جيوب جديدة مليئة بالمرضى.

في الوقت نفسه لن يستمر هذا الوضع المأساوي إلى الأبد، لذا علينا أن نفكر في عالم ما بعد كوفيد 19، وفيما يلي بعض اللمحات عن الآمال والرؤى المحتملة لعالم المستقبل، إن عواقب الوباء لم تنتج ببساطة نمو الفوضى العالمية، وقد تعزز التحديات المشتركة للبشرية إنشاء نظام عالمي جديد تماماً قائم على الأخلاق العالمية والتضامن، بالطبع، يعتمد تحقيق ذلك على قوة الشعوب، والأفعال الملموسة ذات التوجه الإنساني للقادة السياسيين، مثال جيد على ذلك فكرة فلاديمير بوتين لإقامة “ممرات إنسانية”، وفي سبيل ذلك، قدمت روسيا بالفعل مساعدة طبية للصين وايطاليا والولايات المتحدة وصربيا.

استجابت الدول ونخبها بشكل مختلف لمخاطر كوفيد 19، وسيؤثر هذا على السمات المميزة لمستقبل هذه الدول، ومما لا شك فيه، ستظهر في المستقبل القريب حركات سياسية جديدة تطالب بالرقابة الطبية العالمية والأمن الصحي، وبالتالي، سيتغير القادة السياسيون، وستغير تحديات الوباء جوهر أوروبا باعتبارها قارة مضطربة وكبيرة، وفي سبيل الحد من الاضطراب الحالي وتحقيق التنمية المستدامة، سينتقل القادة السياسيون الجدد من المواجهات إلى أشكال مختلفة من التعاون مع مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة في المسرح العالمي، ومن المحتمل جداً أن تحصل الصين في الاتحاد الأوروبي المتجدد على مكانة ودية خاصة، فقد أظهرت إنجازاتها في التغلب على الأوبئة، وقدمت دعماً ملموساً لدول مختلفة، وبالتالي، هناك أسس أساسية لإعادة العلاقات السياسية والاقتصادية الجيدة بين الغرب وروسيا.

من المؤكد أن ولادة عالم ما بعد كوفيد 19 ستكون صعبة، وقد يصحبها ركود قد يصبح عاملاً هاماً في النظام العالمي الجديد القائم على تقاسم الاقتصاد والتضامن الاجتماعي والأشكال المتكاملة للحرية والانضباط.

وحتى ذلك الوقت فقد أمسى الهلع العالمي الذي نتج عن فيروس كوفيد 19 تحدياً كبيراً للإنسانية، وترتبط عملية التغلب عليه بقدر كبير بإنشاء تضامن عالمي فعال ورقابة طبية إنسانية عالمية بهدف إيجاد وسائل ناجعة لمنع الأخبار الكاذبة التي تصدم الوعي الاجتماعي، كل حروف الجر هذه قد تجعل عالم ما بعد كورونا أكثر عقلانية وإنسانية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *