كلام لايطعم جائعاً؟

لطالما شكّلت الأزمة وتداعياتها السياسية والأمنية على المواطن الهاجس الأكبر الذي لوّن المعيشة اليومية بكل تفاصيلها، ولكن بعد أعوام الحرب التسعة، يبدو أن إرادة الحياة انتصرت على مجريات الأمور، وأصبح الخوف من الماضي، لتتحول الأولويات إلى سلم آخر مفاده استخدام لقمة العيش سلاحاً يمكن على أساسه تطويع معدن المجتمع ليصبح ليناً “على هوى الحالمين” بقهر الناس وتغيير إرادتهم بمنهج التجويع الأعمى.

وبصريح الكلام، لم تأخذ الحرب الدائرة تصعيداً كالذي سببته أزمة الليرة ومعركة سعر الصرف، لتحتل هذه المسألة “القضية رقم واحد” في يوميات وأمسيات المواطن والمسؤول معاً، فالمفعول هنا له من الإرتدادات الحساسة أحياناً أكثر من أية أخبار أخرى حتى لو ارتبطت بموسمية الانشغال بالتصدي لجائحة كورونا.

مطلع سنوات الأزمة، أي منذ نحو 7 سنوات، وعندما وصل سعر صرف الدولار مقابل الليرة إلى حدود المئة ليرة، قامت الدنيا على هذا المستوى الخطير الذي بلغه الاقتصاد والعملة الوطنية، وقتها تحرك مجلس النقد والتسليف والمصرف المركزي معلناً حزمة إجراءات وخطوات تسرّع من عودة سعر الصرف إلى وضعه الطبيعي، ولم تأخذ المسألة أكثر من أيام معدودات، لا بل ساعات لتحسم المعركة لصالح فخامة الليرة، أما اليوم فقد بلغ السيل الزبى، وأصبح الدولار بـ 1900 ليرة، ولم نشهد استنفاراً حكومياً يصل إلى مستوى الحدث عدا اجتماعات خجولة وراء الكواليس، لا يظهر على إثرها أي مسؤول ليدلي بدلو يطمئن ويخفف وطأة الارتفاع الجنوني للأسعار، في وقت يضج الشارع جراء هذا التطور الخطير الذي طال الاقتصاد وحركة الأسواق التي تعرّضت للجمود والتوقف بسبب حمى الدولار والحرارة المرتفعة في مفاصل الحياة والقطاعات الإنتاجية والخدمية والتجارية، والأهم الصدمة التي أدخلت الرعب إلى قلوب أصحاب الدخول المهدودة وشريحة الفقراء – على كثرتهم هذه الأيام – الذين لا حول لهم ولا قوة في زمن أصبحت الخمسمئة ليرة لا تشتري سندويشة فلافل في أبعد نقطة عن المركز التجاري الذي يتصف بالغلاء بالقياس إلى غيره من الأسواق والمناطق.

ومع إدراك الجميع فداحة الإمكانيات التي يضخها الآخرون وأزلامهم في السوق الداخلي لضرب الاقتصاد في مقتل، فإن التعاطي الرسمي لم يكن مقنعاً لدى الشارع الملتهب من صدمة الارتفاع الخارق للدولار، وكأن التسليح الذي طالما تحدثت عنه أوروبا وأمريكا يستهدف الليرة وليس كما يتصوره البعض “بنادق ورشاشات وصواريخ”، فتفجير الحالة الاقتصادية والاجتماعية قد يجلب نتيجة أسرع مما يتخيله البسطاء ممن يعتقدون بالحرب العسكرية فقط.

في هذا المضمار، ثمة من يرى أن الصعود السريع في الدولار سيخلفه هبوط حاد في أيام، ولكن هناك من يتخوف من ثبات يستمر ويدوم، لتقف الليرة في درجة لم تعد من بعدها قادرة على الصعود والصمود، وهنا الكارثة بعينها؛ ومع هذا وذاك لا يمكن غرس الطمأنينة في جوف مواطن أعزل من كل القدرات الشرائية، ومحترق من لهيب الأسعار قبل أن يصل الدولار إلى هذا الحد، فكيف الحال ولقمة العيش مهددة، ولا تنفع معها خطابات لا الحاكم حول المضاربة، ولا التصريحات المتعلقة بالخطوط الحمر!

علي بلال قاسم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *