معرض أحمد قاسم.. فضاءات فصيحة وألوان حداثية

حلب – غالية خوجة

يصور الفنان أحمد قاسم، مدرّس التصوير في معهد التربية الفنية، ومدرّس الخط العربي في كلية الفنون بحلب، البعد الدلالي للحرف والكلمة والخط العربي تصويراً تشكيلياً ينجز توازنه اللوني، وموسيقا معانيه من خلال مزيج مميز بين حركة اللون وتدرجاته وظلاله، وخصوصاً إضاءته الجوانية، لتنعكس مكونات الكلمة، أو الجملة كأشعة مسقطة على مرآة نقية من الماء آن اكتمال القمر.

هذا ما يخبرنا به معرضه الفردي “آفاق الحرف العربي/3” المقام من قِبل اتحاد الفنانين التشكيليين بحلب، في صالة الأسد للفنون الجميلة بحلب، والمستمر أسبوعاً.

ضم المعرض 25 لوحة، اجتذبت أبعادها فضاءات فصيحة سماوية وترابية وبيضاء، موحية بحضور اللغة العربية وحيويتها التشكيلية، وديناميكية تحركاتها الصائتة والصامتة والتأملية، مرتكزة على العمق البعيد للجملة المؤلفة من آية من آيات القرآن الكريم، أو من حكمة، أو من قول عربي أصيل، وهذا يدفعنا لمحاورة منطوق الحروف باعتباره الشخصية الرمزية ضمن شخوص الأعمال، لنستنتج كيف يتحول صوت الحرف إلى لون يتحدث مع المتلقي، ويخبره كيف يحلّق في عوالم الأثر النابع من ذاته واللوحة في آن معاً. فماذا لو تداخلنا مع إحدى لوحاته، ولتكن مثلاً: “كن أو لا تكون”؟. سنجد كيف تتحول النقاط إلى مصابيح وفوانيس تتدلى من الفضاء مؤدية وظيفة مزدوجة: زخرفية تزيينية، ودلالية إشارية، بينما تعكس ألوانها الزرقاء والترابية الفضاء المتحرك بين السماء والأرض، وبين النهار والليل.

ولا تقف أبعاد هذه الدلالة التكويرية عند هذه النقطة، لأنها تتحرك تماوجياً من الجهة اليمنى للوحة بهيئة غيوم ماطرة، وأحلام مرتفعة، وألوان مائجة بين تدرجات الترابي والأسود والفضي والأزرق الغامق والأبيض الناعس، وكأنها تخبرنا عن مشهد للتحدي تخوضه جملة “كن أو لا تكون” المتمركزة في وسط اللوحة، المتملّصة من جاذبية السواد وآثارها البارزة في الجانب السفلي من الجزء الأيسر للوحةـ المشهد، لتبدو الجملة أسراب طيور تواصل كينونتها المنتصرة، وهي تحلّق إلى الأعلى.

المرونة سر من الأسرار

لا يتخلى الفنان أحمد قاسم عن محليته، بل يضيف إليها ألقها عندما يرصد تفاصيلها الفلكلورية من خلال أبطال اللوحات من نساء، وأماكن، وبيئة، وحالات، وتحولات، ورموز، جامعاً بواقعيته الفنية السحرية كلاً من الانطباعية والتعبيرية والتجريدية، وربما هذا التناسج من أسرار عمله التشكيلي الذي أفصح عنه “للبعث” قائلاً: تكمن أسرار تشكيلية الخط العربي في قابليته للتحوير والتطويع، فيخدم التكوين المراد تنفيذه في اللوحة التشكيلية، وكذلك في تنوع أشكال الحروف بين أفقي وعمودي ومستدير، وأيضاً، تنوع الخطوط يتيح للفنان اختيار ما يناسب فكرته وتكوينه.

جاذبية الخروج عن التقليدية

لكن، كيف للحروفية ألا تكون تقليدية؟. أجابنا قاسم: اللوحة الحروفية هي، غالباً، خروج عن المألوف، وللفنان اختيار الأسلوب والمدرسة التي يحبها ويجد ذاته فيها، لكن موضوعه الأساسي هو جماليات الحرف العربي. وعن العلاقة بين التراث واللغة والمعاناة مع الحرب ثم الانتصار أجابنا قاسم: الخط العربي تراثنا وهويتنا ورسالتنا إلى العالم فنياً، واللغة بغناها اللفظي والخطي هي أمانة بين أيدينا يجب أن تُخدم وتُدعم. وأضاف قاسم: أعمالي لهذا المعرض ولدت من رحم المعاناة التي يعيشها أبناء هذا الوطن العريق، الأبي، الصامد، المقاوم، فكانت تعبيراً عن صمود شعب بكل مقوماته ومكوناته من الجندي إلى الفنان والصانع والمعلم، كل يقاوم في مجاله. ورأى أن المشهد التشكيلي في حلب لم ينقطع عن العطاء خلال فترة الحرب رغم قساوة المشهد، مؤكداً أن الفنان الحلبي والسوري استمر بعطائه أكثر متحدياً كل الصعاب.

الخط بيئة تشكيلية متناغمة

وعن تجربة أحمد قاسم الفنية، قال التشكيلي الناقد إبراهيم داوود: الفنان أحمد قاسم يحمل إجازة في الفنون الجميلة من من جامعة دمشق 1990، اختصاص تصوير، والقيمة التشكيلية للحرف العربي في أعماله جاءت من كونه فناناً تشكيلياً أولاً، فجعل الخط العربي أحد عناصر العمل الفني النابع من البيئة، مؤكداً عراقة الحضارة والاستمرار التاريخي المختلف لهذا التراث الذي اكتسب قدسيته من القرآن الكريم بدلالات المعنى والتشكيل، أي دمج الخط والتصوير الفني في تشكيل اللوحة ليقدم البعد الجمالي تكوينياً، ويعتبر الفنان قاسم الأول بحلب في دمج الخط والتصوير بعمل فني جميل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *