(الطريق نحو المستقبل)  .. الوعي بالتأخر التاريخي

الدكتور سومر منير صالح

وصل البؤس العربي معرفياً حالاً أضحى معه الجيل الراهن بغالبيته من الكتاب متأخرٌ عن أسلافه العرب في فهم المشاكل التي يعاني منها العرب منذ قرنين من الزمن، وهنا الحديث عن المشاكل في البنية الثقافية العربية التي تعيق عملية بناء مجتمع متماسك ودولة متينة، وتعيق حركة المواكبة الحضارية العالمية، ولعل الظروف الموضوعية التي واكبت الأجيال الماضية من خيبات وهزائم وانتصارات وصراعات دولية في النظريات والأيديولوجيا كانت مواتية لإنتاج معرفي أضخم وفهم أعمق للمشاكل التي عاصرتهم، ولكن، هذا الأمر لا يبرر الحال الذي وصلت إليه البنية التشخيصية المعرفية للواقع من قبل الكتاب المعاصرين، والتي لا تخرج عن إطار إعادة إنتاج فهم ما فهمه أسلافهم من كبار المفكرين، وهنا تكمن خطورة المشكلة المعرفية، بالعجز عن إدخال المتغيرات الحضارية الراهنة التي  تعقّد من مشكلاتنا القديمة في بنية الوعي العربي، وتعيد إنتاج التأخر التاريخي للمجتمع والحضارة العربية، واستعارة كلمة العربية هنا لقناعة الكاتب بأن البنية الثقافية العربية واحدة من حيث الوعي والعقل ومختلفة بكل شيء في السياسة، ومرد ذلك التسطيح المستمر للعقل العربي وعجزه عن إنتاج ذاته، أو الوعي بها.

فما هو “التأخر التاريخي” الذي نقصد، وهو المصطلح الذي قدمه عبد الله العروي كلحظةٍ فارقةٍ في الفكر السياسي العربي، للوعي بأهمية إنتاج المشروع النهضوي الحداثي العربي من إدراك واقعه وتاريخيته، لا بوصفه تنزيلاً لمشروع نجح في الغرب علينا مجرد مواكبته. فالتأخر هو (التسليم بوجود مرحلة تاريخية متقدمة لم يبلغها المجتمع المتأخر بعد ..، مع إمكانية الطفرة التاريخية)-العروي-، والإقرار بالطفرة شرطٌ للتأخر التاريخي لأنّ عدم الإقرار بها يعني وجوب البحث في “التخلف التاريخي” وليس “التأخر التاريخي”، فهو فارقٌ ذو دلالة.. وهنا تبدأ الأسئلة المشروعة بالظهور ما هيّ وحدة القياس، وما هيّ المرحلة (المثالية) الذي يجب أن نقيس بمقتضاها وبأيّ مجتمع نقيس، لتنطرح بعدها أسئلة الوسيلة والأدوات. ولكن قبل ذلك هل نحن كمجتمعاتٍ عربيةٍ على وعيٍّ تامٍ بتأخرنا الحضاري، وهل يوجد وعيٌّ جمعيّ عربيّ بهذا التأخر، والسؤال الأشد إيلاماً هل تجاوز مرحلة التأخر هو مطلب جماعيٌّ عربيّ، أم أنّها وعيٌّ متقدم لأنتليجنسيا عربية (بائسة) في شقائها المعرفي، والمسالة تصبح أشد إشكالية إذا قلبنا المسألة لتصبح على الشكل التالي: هنالك نفرٌ لا بأس به عربياً مقتنعون بأن ذلك الغرب لم يبلغ المرحلة التي يعتقد بها أولئك بأنها الحضارة المنشودة، وأن الحضارة لا تقاس بالمادية بل الروحية.

قبل عقودٍ من الزمن ليست بعيدةً كانت الصورة أكثر وضوحاً في إدراك التأخر، فحال المجتمعات والمعمار والتقنية كانت ذو فروقٍ شديدةٍ يمكن معها إدارك التأخر مقارنة بالغرب مثلاً، ولكن المشكلة بدأت تتعقد أكثر فأكثر مع العولمة التي قلصت الفجوة الزمنية بين الغرب والشرق والشمال والجنوب وعمقت الهوة الحضارية بين الجهات الأربع، فالجميع يستخدم ذات التكنلوجيا والجميع يستخدم أنظمة نقل وتواصل متشابهة، والعالم قريةٌ واحدةٌ رقمياً، ولكن هذه خديعة كبرى، لأنّها عمقت التبعية والتقليد وأنهت الخصوصية لصالح الطرف الأقوى في مركز قيادة العولمة، إذاً مسألة إدراك الوعي بالتأخر التاريخي باتت راهناً أعقد من الناحية المعرفية، وأشد إلحاحاً من الناحية الحضارية، وشرطٌ لازمٌ قبل الدخول في مرحلة “الفوات التاريخي” الذي بات يدق نواقيس الخطر في كلّ لحظة، والسؤال الذي ينبغي طرحه، ما العائق الذي يمنع إدراكنا لهذا التأخر، هل هو غياب الفروق البصرية الحضارية مع الآخر، أم قناعةٌ في الوعي الجمعي العربي بحالتنا الحضارية، أم معضلة البديل التي تعزز القناعة بحالتنا الراهنة، وتبدو معضلة البديل هي الأكثر إشكالية، فالعرب تاريخياً جادلا في بديلين متناقضين، التغريب أيّ نمذجة الواقع العربي على شاكلة النموذج الغربي، والبديل المناقض النموذج السلفي بشكله ومضمونه الذي ظهر منذ قرون خلت، وبين هذا وذاك ظهرت طروحاتٌ للموائمة والتقريب والإصلاح بين النموذجين ولكن غاب النموذج الفريد الذي يحقق الطفرة التاريخية، وبدا العروي متفرداُ في طرحه  (كيف نستوعب المكتسبات الليبرالية دون المرور بالمرحلة التي انتتجت الليبرالية في الغرب)..

راهناً وكما أسلفنا غابت مفاهيم التأخر التاريخي عن الحضور الذهني المجتمعي، وغابت كمشروعٍ سياسيّ ولا حتى نهضوي، مع اضمحلال زمن الأيديولوجيات التي عمقت جراحها المرحلة النيوليبرالية بخلفيتها الفلسفية المابعد حداثية، والتي فشل منظروا الأيديولوجيات العربية من حماية أيديولوجياتهم بتجديدها معرفياً وتنظيمياً، حتى باتت أغلب الأيديولوجيات السياسية العربية بحكم المتوفاة سريرياً، فغاب الحامل الفعلي لمشروع اليقظة والوعي بالتأخر التاريخي كمقدمةٍ لتحقيق النهضة التي بمقتضاها نقلص فجوة التأخر التاريخي، أمّا على صعيد الأنتليجنسيا العربية فلابد من الاعتراف بمحدودية التأثير بل والإقصاء لأسباب كثيرة لا تقتصر على دور السياسة في ذلك، فتبني غالبيتهم الفكر العلمانيّ جعلهم عرضة للنقد والرفض في الوعي الجمعي العربي الذي مازال ماضوياً في وعيه، وجعل من أفكارهم مدعاة للرفض المطلق قبل الاطلاع عليها عملياً، ولعلهم بدأوا بما كان يجب أن ينتهوا إليه.

لذلك المطلوب راهنا إعادة إنتاج مفهوم التأخر التاريخي، وجعله جزءاً من الوعي المعاصر، وتحديد حوامل اليقظة التاريخية، حتى يتثنى خلق أدوات التجاوز التاريخي ومضامينها في بيئة مجتمعية وثقافية تدرك المضامين وتشارك بصياغتها…وهو موضوع البحث في مقالنا القادم.  

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *