الفرقة الوطنية للموسيقا العربية تحتفي بالموسيقار بهلوان

“وألّمُ الموج عن جفنيك لا أدري  لماذا تسرق الأنسام مني ما ألّمُ”.. هذه المفردات السابحة في بحر الغرام للشاعر محمد موصللي كانت بتدرجات مقامات صوت الموسيقار صفوان بهلوان وألحانه الحيوية المتماوجة بحركة إيقاعية لجمله الموسيقية المتناغمة مع أمواج البحر، ومع نغمات الدرامز والبيانو والأكورديون والآهات مع الكورال بمرافقة الفرقة الوطنية للموسيقا العربية بقيادة المايسترو عدنان فتح الله، وقد شغلت جزءاً من الحفل الذي قدمه الموسيقار بهلوان على مسرح الأوبرا وسحر بتفريداته بالليالي وانتقالات طبقات صوته الطربية جمهور الأوبرا، فأعاد إحياء ذكرى محمد عبد الوهاب الذي يشبهه بالصوت والشكل، وأطلق قصائد جديدة من ألحانه ليضيف نجاحات جديدة إلى أعماله، التي وصلت إلى العالمية مثل سمفونية أوغاريت والربان والعاصفة وغيرهما.

والملفت في الأمسية المقدمات والفواصل الموسيقية الطويلة لألحان بهلوان التي تترجم إبحاره بالشعر والموسيقا، فتماهى صوته مع العود، وفي مواضع كان عزفه المنفرد البطل، أما وصلته الطربية التي همست بشغف الجمهور فقادته إلى مفاجأة غير متوقعة!! وتميز الحفل بحضور خاص للأكورديون وسام الشاعر، والبيانو إياد جناوي، لطبيعة ألحان محمد عبد الوهاب وصفوان بهلوان.

ليالي الشام وبردى 

فبدأ بتحية الشام بغنائه قصيدة “يا ليالي الشام” التي كتبها سلطان العويس وتغنت ببردى: “أنا آت أستقي من بردى  قصص المجد وعزّ المشرق”، مع مرافقة الفرقة وعزف بهلوان على العود مع فاصل إيقاعي بمشاركة الأكورديون، لتتغير طبقة صوته في “هكذا شأني وهذا خلقي”، وتناغم الجمل الموسيقية مع تكرار مفردة “أبداً” أبداً أعطي الهوى ما يرتضي”، ثم تكرار “ليالي الشام” في نهاية القصيدة مع الكورال لتتزامن القفلة الغنائية مع الموسيقا.

القفلة المدهشة

وتبدع الفرقة بعزف ألحان “ماكانش عل البال تشغل بالي” لمحمد عبد الوهاب بدور البيانو والأكورديون والمساحة الموسيقية، ثم تدرج مقامات صوت بهلوان في “ماكانش عل البال” التي غناها بأبعاد مختلفة وتميزت بصولو العود والقفلة المدهشة بصوته.

سليمان العيسى 

وتحية إلى الشاعر سليمان العيسى، أطلق قصيدته “نبع الصفا” التي كتبها الشاعر في “نبع الصفا” للمرة الأولى من مسرح الأوبرا، بعدما لحنها منذ فترة طويلة ورقص طرباً على نغماتها الشاعر، فأهداها إلى روحه بعد أن قصّ حكايتها: “لا تلوميني ولومي القدحا    أسكرته لفتة فانسفحا”. وعلى وقع ضربات التيمباني الخفيفة علي أحمد) وتشكيلة الفرقة، غنى بهلوان ليصل إلى “نجمة بيضاء فرت من يدي” بطبقة أعلى، وقد تخلل القصيدة فاصل موسيقي مطوّل مع العزف على العود، ومن ثم القفلة السريعة. كما أبدع صفوان بالعزف المنفرد وغناء “كيف جئت” في أغنية “لستُ أدري” لعبد الوهاب، وتغيّر الجمل الموسيقية والصوتية في “لستُ أدري” وامتدادات صوته الرائعة التي أبهرت الجمهور.

البناء على الفلكلور

المنعطف بالحفل – كما ذكر بهلوان على المسرح – كان باقترابه من الفلكلور لعمل كُتب بنمط واحد من الأغصان حتى المذهب، فأخذ المذهب الأول وقام بإعادة البناء الموسيقي بالمقدمة والكوبليهات، فأصبح عملاً جديداً مبنياً على عمل قديم، وكتب له كلمات جديدة من سورية محمود يس، بعنوان “زهرة الفلة”، ومع الكورال واللحن الحيوي الراقص وتصفيق الجمهور، غنى “زهرة الفلة فتحت والله، وإنت ياحبيبي يلا بينا يلا”، تخللها صولو الناي.

الليالي والتفريدات 

وكانت تفريدات بهلوان بالليالي والسلطنة الطربية بتفريداته “ياليل ياعين” أجمل ما في الحفل الغني بالمفردات والألحان والموسيقا، ليصل إلى أغنية “لما إنت ناوي تغيب على طول”، ثم “كل ده كان ليه نساني أنام الليل” لعبد الوهاب انتقل بهلوان بمقامات متتابعة ليصل بسحره الطربي الطاغي إلى أغنية “فكروني” لأم كلثوم التي لحنها عبد الوهاب فكانت أجمل هدية لدمشق وجمهور الأوبرا، ليختتم بالعودة إلى “نساني أنام الليل” بما يشبه التدوير بالشعر.

الإيقاع والبحر

ولم يكن رقي بهلوان بالعزف والغناء فقط وإنما بتعاونه مع الإعلاميين أيضاً والحديث معهم برحابة صدر رغم عناء الحفل، وفي سؤال البعث عن المقدمات الموسيقية الطويلة في ألحانه والإيقاع الحيوي الجميل؟ أجاب:

أنا أُعنى بالمقدمات الموسيقية حتى أجعل مساحة واسعة كي يتلقى المستمع الموسيقا الصرفة ويعتاد عليها دونما غناء، أما عن الإيقاع فربما البحر له أثر كبير في نفسي من خلال الأمواج المتلاطمة والمتغيرة بين أخذ وجذب وعطاء، وهذه الحركة المتغيرة لابد من أن تعكس ذاتها في نفس الفنان والفنان ابن لبيئته، ولابد لهذه البيئة من أن تصطبغ في أعماله الفنية في كل المجالات.

تداعيات

وتوقفت معه حول الوصلة الطربية والمفاجأة بغنائه “فكروني” فعقب: لقد تداعيتُ بالارتجال الموسيقي ولم يكن ذلك بحسباني، فغدا التداعي يقودني من مقام إلى آخر، من رصد إلى بيات، إلى غيره، فلاح في خاطري “فكروني”، وظن الجمهور أن الأمر انتهى هنا، لكنني أحببتُ أن أعود مع الموسيقيين لأختتم، ولا أقطف النجاح وحدي.

الموسيقا الجادة

كما وجه رسالة في حديثه مع الإعلاميين إلى دور الأوبرا في سورية والوطن العربي كي تكثر من إقامة الحفلات الموسيقية الجادة، منوّهاً بأن الحشد الكبير من الجمهور ونفاد البطاقات بوقت وجيز يدلان على استفتاء بأن الموسيقا الجادة هي المطلوبة.

جهة إنتاجية

وأشار إلى ضرورة وجود جهة إنتاجية مؤسسات حكومية أو غير حكومية تشجع الفن الأصيل بتبني الأعمال الجادة وتمويلها، فمازال لديه العديد من الأعمال التي لم يستطع إنتاجها على نفقته الخاصة.

قامة بالغناء والتلحين والأداء

المايسترو عدنان فتح الله تحدث عن الموسيقار بهلوان كونه قامة سورية كبيرة، تحمل فكراً مهماً، سواء على صعيد التلحين أو الغناء أو أداء أغنيات الموسيقار محمد عبد الوهاب، فهو الأقدر والأكثر تميزاً بأدائها لطبيعة صوته، ولاهتمامه بكل التفاصيل التي يُعنى بها ويؤكد عليها بالتحضيرات والبروفات، إضافة إلى تميزه بكتابة الشعر، وتابع بأن الحفل كان مهماً ومميزاً قدم أعمالاً ذات قيمة، وقد نفذها أعضاء الفرقة الوطنية للموسيقا العربية بكل إتقان.

ملده شويكاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى