“النظام القائم على أساس القانون الدولي” ونفاق الولايات المتحدة

البعث الأسبوعية- عناية ناصر

من الصعوبة بمكان تمرير نفاق الولايات المتحدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشؤون الخارجية، وأحدث الأمثلة على ذلك هو أزمة أوكرانيا، حيث تقف الولايات المتحدة بمفردها إلى حد كبير – ما لم نأخذ في الحسبان رئيس الوزراء البريطاني المأزوم والمُحرج ، بوريس جونسون ، الذي يقلد سياسة الولايات المتحدة مثل طائر مدرب- في اتهام روسيا ليس فقط بالتحضير لـ غزو ​​وشيك لأوكرانيا، بل بانتهاك  النظام الدولي القائم على أساس القانون الدولي، على حد تعبير وزير الخارجية أنتوني بلينكين، فقد وجه أبرز الدبلوماسيين في إدارة بايدن انتقادات متكررة لكل من روسيا لتهديدها بغزو أوكرانيا من خلال نقل القوات والمعدات إلى حدودها وإلى الحدود بين أوكرانيا وبيلاروسيا، حليف روسيا في الغرب، وإلى الصين بسبب تهديداتها حسب زعمه لتايوان وقمع حقوق الإنسان في هونغ كونغ ، المنطقة الإدارية الخاصة التابعة للصين.

ولكن كيف يمكن للولايات المتحدة أن توجه مثل هذه الاتهامات ضد روسيا والصين في حين أنها كانت منذ ما يقرب من ثماني سنوات، تقصف وتشن هجمات بالصواريخ والطائرات بدون طيار، وترسل قوات، تحت سيطرة كل من وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون، ضد كل من قوات وطائرات الحكومة السورية، والمواقع الروسية في سورية التي جاءت بناء على طلب الحكومة السورية؟.

إن الأعمال العسكرية الأمريكية في سورية خارجة تماماً عن أي نظام دولي قائم على أساس القواعد والقوانين. فالقوانين الدولية، عندما يتعلق الأمر بالحرب، واضحة وضوح الشمس، ومكرسة في ميثاق الأمم المتحدة، وهو معاهدة دولية وقعتها وصدقت عليها الولايات المتحدة مع معظم دول العالم الأخرى وتتضمن جميع قوانين الحرب. فمبوجب القانون الدولي، توصف الجريمة التي يطلق عليها اسم جريمة ضد السلام بأنها الانتهاك الأخطر، لأنها تحتوي على جميع جرائم الحرب الأخرى، حيث ينص القانون الدولي على أنه لا يجوز لأي دولة مهاجمة دولة أخرى إلا إذا واجهت تلك الدولة “تهديداً وشيكاً” بالهجوم، وعلى هذا لا يمكن الالتفاف حول تلك المحظورات. لكن الولايات المتحدة ارتكبت هذه الجريمة ضد السلام مرات لا تحصى في فيتنام ولاوس وكمبوديا واليمن والعراق ولبنان وسورية والصومال والسودان وهايتي وجمهورية الدومينيكان ونيكاراغوا وفي السلفادور، وفي كوبا، و النيجر، و الكونغو، وفي بنما، وغرينادا، في انتهاك لحظر ميثاق الأمم المتحدة على شن حروب غير شرعية.

إذاً ما هو النظام الذي يتحدث عنه بلينكن، و الولايات المتحدة  تقوم بوضع قواعدها الخاصة بها؟. في الواقع، عندما تشن الولايات المتحدة غزو غير قانوني أو تقوم بالهجوم الجوي على بلد ما، فإن التبرير الذي يصدر من الولايات المتحدة هي أن الرئيس أمر بشن حرب “دون موافقة الكونغرس”. و المعنى الضمني هو أنه إذا وافق الكونغرس على شن حرب غير شرعية أو عمل حربي، فهذا يجعلها شرعية، وذلك غير صحيح .

وما يجعل الأمر أكثر سوءاً عندما توجه الولايات المتحدة مثل هذه الاتهامات ضد روسيا والصين هو أنها تتهم بلدين، على الأقل لديهما حججاً وأسباباً  أفضل من الولايات المتحدة فيما يتعلق بشرعيتهما.

لنبدأ بالصين، فالحكومة في بكين متهمة من قبل بلينكن و من قبل سلسلة من رؤساء الإدارة الأمريكية المتعاقبة، بتهديد تايوان، وهي جزيرة كانت تاريخياً جزءاً من الصين، لكنها أصبحت مستقلة وظيفياً في عام 1949 عندما انتصر الحزب الشيوعي الصيني في ثورته في البر الرئيسي ، لتأسيس جمهورية الصين الشعبية ، وفر بقايا الحزب الوطني وجيشه إلى تايوان، وقتلوا عشرات الآلاف من التايوانيين المحليين وشعب الهاكا الصيني، وأسسوا ديكتاتورية وحشية تحت قيادة الزعيم العسكري تشيانغ كاي شيك. لم تعترف الصين أبداً باستقلال تايوان ، التي كانت لمدة 50 عاماً قبل نهاية الحرب العالمية الثانية مستعمرة لليابان، وغنيمة الانتصار في الحرب الصينية اليابانية التي فازت بها اليابان ضد أسرة تشينغ عام 1895.

اعترفت الولايات المتحدة في البداية بتايوان، بعد الانتصار الثوري الصيني الشيوعي في عام 1949 ، كدولة مستقلة ، لكن ريتشارد نيكسون، في مناورة سياسية ماكرة دبرها مستشاره للأمن القومي ووزير خارجيته لاحقاً هنري كيسنجر، من أجل الاعتراف بالصين، ودق اسفين بين ذلك البلد والاتحاد السوفييتي. وافقت الولايات المتحدة على التوقف عن الاعتراف بتايوان كدولة مستقلة، وقامت بإزالة السفارة الأمريكية من الجزيرة ، وإقامة واحدة في بكين. بعبارة أخرى ، في تلك المرحلة ، من وجهة نظر الولايات المتحدة على الأقل، أصبح وضع تايوان شأناً داخلياً يخص الصين، وليس شأناً دولياً.

والأمر نفسه ينطبق على الحملة الصينية على الحقوق في هونغ كونغ، فمنذ تموز 1997 ، لم تعد هونغ كونغ مستعمرة بريطانية وعادت لتصبح جزءاً من الصين. خلال تلك السنوات من الانتقال، تجنب الحاكم الاستعماري المعين لهونغ كونغ كريس باتن، الرئيس السابق لحزب المحافظين البريطاني، السماح لسكان هونغ كونغ بالحصول على حق الاقتراع العام الذي طال انتظاره لانتخاب جميع أعضاء المجلس التشريعي للإقليم” ليجكو” قبل مغادرة البريطانيين، وهي خطوة كان من شأنها على الأقل أن تترك بكين في مواجهة حكومة محلية تمثل في الواقع جميع سكان هونغ كونغ ، بدلاً من ممثلي” ليجكو” الذين يمثلون قطاعات الأعمال المختلفة مثل البنوك ، والمهن القانونية ، وصناعة التجزئة ، وأصحاب العقارات ، وما إلى ذلك.

وليس هذا، حيث تتناسى الولايات المتحدة وحشيتها ضد المهاجرين على الحدود المكسيكية أو على المدافعين الأصليين عن حقوق المياه في نورث داكوتا. إنه أمر مثير للاشمئزاز، وربما إجرامي بموجب القانون الأمريكي، لكنه بالنسبة لها  ليس انتهاكاً “للنظام الدولي القائم على أساس القانون الدولي”.

أما بالنسبة للاتهامات المتعلقة بروسيا، أظهر الاستفتاء الذي جرى في شبه جزيرة القرم ، أن حوالي 97٪ من السكان هناك صوتوا بأنهم يريدون ترك أوكرانيا والعودة إلى روسيا، وكما كانت شبه الجزيرة حتى عام 1954 ، كان رئيس الوزراء السوفييتي حينها نيكيتا خروتشوف هدية إلى المنطقة التي نشأ فيها، إذ نقل القرم من الاتحاد السوفييتي الروسي إلى الاتحاد السوفيتي الأوكراني، والذي انتقدته الولايات المتحدة باعتباره احتيالياً إلى حد ما – في القرم حوالي 85٪ من أصل روسي- ومع تصويت 85 ٪ من الأشخاص الذين يحق لهم التصويت، قدم هذا الاستفتاء لروسيا مبرراً لاستعادة الولاية القضائية على شبه جزيرة القرم.

إن عمل روسيا، الذي انتقدته الولايات المتحدة على أنه “عدوان”، ليس انتهاكاً للمعايير الديمقراطية من الحرمان الكبير للسود وغيرهم من الملونين في الولايات “الحمراء” التي يديرها الجمهوريون في الولايات المتحدة من حقوقهم، وهي العملية التي يتم إجراؤها الآن مع اقتراب موعد انتخابات الكونغرس التي تجري نهاية العام 2022.

إذا كانت إدارة بايدن مهتمة حقاً بالعدالة والديمقراطية، فيجب أن ينصب جل اهتمامها على الدفاع عن حقوق الناخبين، وليس على شحن الأسلحة الفتاكة إلى أوكرانيا. وإذا كانت حكومة الولايات المتحدة مهتمة باتباع “نظام دولي قائم على القانون الدولي”، فعليها أن تسحب جميع القوات العسكرية الأمريكية من سورية، وتسحب القوات البحرية الأمريكية من الخليج، وتتوقف عن استخدام الطائرات بدون طيار لقتل الناس في اليمن والصومال و في أماكن أخرى، وعن إرسال القوات الخاصة الأمريكية إلى أي مكان يريد الرئيس إرسالهم إليه، والانضمام مجدداً إلى المحكمة الدولية واحترام أحكامها المتعلقة بانتهاكات القواعد والقوانين الدولية، وعندئذ لن نضطر إلى الاستماع إلى كل حماقات النفاق التي قالها بايدن وبلينكين وأمثاله، وسيأتي اليوم الذي  سيُحاسب فيه  قادة الولايات المتحدة أخيراً على سجلهم الطويل من الجرائم ضد الإنسانية، وحتى ذلك الحين، سيتحمل العالم كل هذا النفاق الملحمي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى