الافتتاحيةالبعث أونلاينسلايد الجريدةصحيفة البعثمجلة البعث الأسبوعية

سورية والاشتراطات.. عن الأردوغانية كأنموذج معدٍ!!

بسام هاشم

 

جل ما يخشاه المرء، في هذا الزمن الصعب، أن تتحوّل الأردوغانية أنموذجاً يحتذى به في السياسة الشرق أوسطية: التقلب، واللعب على تضارب المصالح، والافتقاد إلى المبدئية، والاستثمار في الآلام والكوارث، واستسهال عمليات “الطعن” الشهيرة، التي باتت ماركة مسجّلة عثمانية جديدة، في ظهور الحلفاء في الداخل والخارج؛ ومنها أيضاً توزيع الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال بما يسمح بالتهرّب من الالتزامات الموقّعة أو المتعهّد بها، وتبديل الحلفاء والتوجّهات، في الوقت الذي يشاء أن يكون مناسباً؛ فكيف إذا أضيفت، إلى كل ذلك، جرعة عالية من الغطرسة والتشاوف، بل احتقار الآخرين، وانعدام الحساسية، والنظر إلى الأقربين من موقع التعالي والشماتة، مع صمّ الآذان عن أية نداءات ضميرية، أو حتى أخوية أو دينية، وربط أي واجب من هذا القبيل بالتزامات محدّدة هي أشبه بطلب توقيع عقد إذعان، أو استسلام غير مشروط، مع التعامي غير المفهوم عن حقيقة أن ما فرض على سورية من عقوبات غير شرعية أحادية الجانب إنما فرض بسبب تمسّكها بسيادتها واستقلالية قرارها، علاوة على أن هذه العقوبات ليست دولية ولا أممية، بل هي أمريكية غربية صيغت خارج إطار مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، وليس من المفهوم أساساً أن تنضمّ إليها، أو تلحق بها، أو تطبّقها، أو تأبه لها دول عربية تربطها مع سورية روابط الأخوة القومية، ولا حاجة للقول أكثر من ذلكّ!.
ولكن، وللأسف، ومرة أخرى بعد 12 عاماً على الحرب على سورية، يتكرّر سوء الفهم نفسه، والقراءة الخاطئة نفسها، وقصور التحليل نفسه، وهو ما كان انتهى بنا، خلال الأشهر الماضية على الأقل، إلى ما نحن عليه اليوم من مراجعات وتصويبات، ولن نقول “اعترافات ضمنية” بفداحة الأخطاء التي ارتكبت، والإساءات التي وجّهت.. لقد استسهل البعض التخلّي عن سورية والتضحية بها، لا لشيء إلا لأن السياسات الأمريكية تخطّط لذلك، وهي خطط باتت، للحقيقة الصادمة، على تعارض مباشر مع مصالح البلدان العربية، بحيث يصمّم المحافظون الجدد على الحرب بالوكالة ضد سورية حتى آخر “دولار” في جيب أي لبناني أو أردني أو عراقي، تماماً كما يخوضون الحرب مع روسيا حتى آخر جندي أوكراني.
ما الذي حصل؟ وما الذي استجدّ؟ ولماذا تغيّرت الأجواء حيال سورية التي لم تطلب فتح الخزائن في وجهها، ولم تمدَّ يدها من طرف واحد.. لقد خمّنت فقط أن المشاعر القومية كافية لتحريك النخوة المعهودة، وأن ضحايا الزلزال في سورية ليسوا أقل فاجعية من نظرائهم في تركيا، بل من ضحايا الحرب في أوكرانيا، وهي غير معنية بالنظر إلى الوراء طالما “نفتح معاً” صفحة جديدة، كما هي غير معنية، أيضاً، بكل تلك التقارير المفرطة في استفزازها، التي تتحدّث عن “سوريين” جوعى “ينبشون في الحاويات” لتحصيل غذائهم، ويعانون من سوء تغذية مزمن، ويفتّشون عبثاً عن أدوية مفقودة، طالما أنها تقارير مدفوعة الثمن، ولا هدف لها، في المحصلة الأخيرة، إلا التسريع بدفع سورية إلى أحضان الدول الغربية، وإلا فتحميل “النظام” مسؤولية “الإبطاء” أو “التأخّر” أو “المماطلة” في ملاقاة الحلول المفترضة التي خطّطوا لها، والماثلة مسبقاً في أذهانهم.. تقارير لا تعدو كونها بروباغاندا محمومة تستهدف تحويل الأنظار عن المجرمين الحقيقيين الذي يسرقون الشعب السوري في موارده النفطية والزراعية، ولقمة عيشه اليومية، وإعطاء براءة ذمة مجانية لأولئك الساكتين عن الحق، والذين يقيسون ارتفاع أنين السوريين بقرب سقوطهم في المصيدة المنصوبة..
يتخفّف هؤلاء من تأنيب الضمير، ومن روابط القربى والأخوة، ومن الانتماء الواحد، ولربما من أي وازع ديني أو أخلاقي أو إنساني، بذريعة عدم تنفيذ جملة “مطالب” يعرف الجميع أنها صيغت في وزارة الخارجية الأمريكية، كسلسلة اشتراطات كان “يمكن” لها أن “تكفل” موافقة واشنطن على السماح بـ”التطبيع” العربي “جزئياً” مع سورية، مقابل تسهيل العمل بمشروع تزويد لبنان بالكهرباء المصرية. بمعنى أنه لم تكن هناك أساساً مبادرة عربية، بل سلسلة بنود “حملها” طرف، وانضمّت إليها أطراف أخرى لاحقاً لـ”ضمان” العرقلة المطلوبة (ومشيخة قطر في المقدمة). وكان أن ذهبت سورية إلى قمّة جدة بروحية ووعود مغايرة لما نسمعه اليوم، وقال السيد الرئيس بشار الأسد كلاماً واضحاً وصريحاً – وجريئاً – صفّق له قادة عرب كثيرون في افتتاح القمة. ومن سمع ترحيب الزعماء العرب، كان يدرك تماماً، وبما لا يحتمل أية تأويلات، أن سورية كانت وستبقى في قلب عروبتها، وأنه حتى الدولة المضيفة للقمّة كانت موافقة، بل “متواطئة ضمنياً” مع سورية، بهذا الفهم، وهي لم تكن لتوافق على بنود المبادرة السداسية، ولكنها سارت فيها لاعتبارات لوجستية وفنية في التمهيد لعقد القمة العربية!.
سوف تنتهي الأزمة الاقتصادية في سورية غداً أو بعد غدٍ، فلا شيء يدوم للأبد، ومن يظن أن الشعب العربي السوري يمكن ترويضه إنما يتوهّم ويخدع نفسه.. نحن شعب متجذر عميقاً في وعيه لشخصيته ومكانته ودوره، وقد دفعنا ثمناً غالياً دفاعاً عن حقنا في العيش والكرامة.. ودفعنا الثمن نيابة عن أحرار أمتنا، ولم نكن، ولن نكون، غير ذلك.